محمد أبو زهرة

1126

زهرة التفاسير

الواضحة البينة التي تدركها العقول السليمة يكون سببه دائما اغترارا بأمر مادي مسيطر على النفس يجعل عليها غشاوة فلا يدرك العقل ، ولا يؤمن القلب . وهنا يرد بحث لغوى وهو : لما ذا أدخل السين في قوله تعالى : سَتُغْلَبُونَ ولم يقل تعالت كلماته : ستحشرون ؟ والجواب عن ذلك : أن السين لتأكيد القول ، والذي كان موضع شك عند هؤلاء هو كون النبي صلى اللّه عليه وسلم سيهزمهم في الدنيا ، والحشر قد أكده سبحانه وتعالى في كثير من آي الكتاب . وفوق ذلك فإن السين مقدرة في تحشرون باعتبارها معطوفة على « ستغلبون » والعطف على نية تكرار العامل . ولقد أشار سبحانه إلى أن الحشر سيكون تجميعا للكفار يساقون بعده إلى نار جهنم ، وجهنم هي الجزء العميق في النار ؛ ولأنه بعد الحشر يكون السّوق إلى نار جهنم وتعدت كلمة يحشرون ب « إلى » ؛ إذ قد تضمنت مع معنى التجمع معنى السّوق والأخذ إلى نار جهنم . ثم أشار سبحانه إلى شدة العذاب بقوله تعالى : وَبِئْسَ الْمِهادُ أي أنها ليست مقاما محمودا بالنسبة لهم ، بل هي مقام مذموم منهم يصح أن يقال فيه بالنسبة لهم « بئس المهاد » فجهنم ليست موضع ذم في ذاتها باعتبارها دار جزاء عادل ، ولا يذم الجزاء العادل ولو كان قاسيا ، ولكن هي موضع الذم ممن ينزل به لأنه سيتلقى قسوته . ومعنى المهاد : الفراش المبسوط السهل اللين المريح ، فيقال : مهد الرجل الأمر بسطه وهيأه وأعده ، وعلى هذا فالتعبير فيه نوع من التهكم بهم ، إذ هي لا تكون أمرا ممهدا . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 13 ] قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ ( 13 )