محمد أبو زهرة
1204
زهرة التفاسير
خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ( 6 ) [ مريم ] . وفي هذا النص الكريم يتبين أنه مع رجائه كان يذكر شيخوخته الفانية ، وكون امرأته عاقرا لا تلد ، ومع ذلك تغلب عليه جانب الرجاء ، فدعا ذلك الدعاء ، وضرع إلى اللّه تعالى تلك الضراعة ، وقد أجاب اللّه تعالى دعاءه فور طلبه ؛ ولذا قال سبحانه : فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى والتعبير ب « الفاء » يفيد أن النداء كان في زمن قريب من الدعاء . وهنا ثلاث نقط نريد أن نوضحها بعض التوضيح : أولاها : في النداء ونسبته إلى الملائكة ، فهل خاطبه بهذا عدد منهم ؟ لقد أجاب المفسرون عن ذلك بجوابين ؛ أحدهما : أن الذي ناداه هو جبريل الذي ينزل بالوحي على النبيين ، ولقد قال في ذلك التفسير ابن جرير الطبري « يقال خرج فلان على بغال البريد ، وإنما ركب بغلا واحدا ، وركب السفن ، وإنما ركب سفينة واحدة ، وكما يقال : ممن سمعت هذا ؟ فيقال : من الناس ، وإنما سمعه من رجل واحد ، وقد قيل إن منه الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ . . . ( 173 ) [ آل عمران ] والقائل فيما ذكروا كان واحدا » . هذا توجيه من قال إن المراد جبريل . وفي ذكر الملائكة بالجمع إشارة إلى الجنس ، أي أن اللّه سبحانه كان من رحمته به أن أجاب دعاءه ، وسارع بتبشيره بإجابته ، وكانت الإجابة بملائكته ، وإن كان المبلغ واحدا . وأما التخريج الثاني : فهو أن المراد الجمع من الملائكة ؛ لأن من كمال عناية اللّه تعالى بعباده أن ألقى إليه بالبشرى عدد كبير من الملائكة لا واحد منهم ، وهذا ما رجحه ابن جرير ؛ ولذا قال : « والصواب من القول في تأويله أن يقال إن اللّه جل ثناؤه . أخبر أن الملائكة نادته ، والظاهر من ذلك أنها جماعة الملائكة دون الواحد ، وجبريل واحد ، فلا يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلا على الأظهر الأكثر