محمد أبو زهرة

1205

زهرة التفاسير

من الكلام المستعمل في ألسن العرب دون الأقل ، ما وجد إلى ذلك سبيل ، ولم تضطرنا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد ، فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفى من الكلام والمعاني » ولا شك أن العدد فيه مبالغة بالتبشير ، وكأن حال هذا النبي الكريم في يأسه من الولد لشيخوخته الفانية وكون امرأته عاقرا وعجوزا ، كان يحتاج فيها إلى عدد من المبشرين ليزول من نفسه كل يأس ، ويحل محله الرجاء . النقطة الثانية : أن النداء الذي وجهته الملائكة كان وهو قائم يصلى في المحراب ، فهو في وقت مواجهته لربه ، ومناجاته لخالقه ، وإنه بابتداء القول بالفاء الدالة على التعقيب من غير تراخ ، وكون خطاب زكريا لمريم كان وهو في المحراب ، وأن الدعاء كان وهو في المحراب ، يتبين أن إجابة الدعاء كانت فور الدعاء ، فهو قد ضرع إلى اللّه خالص النية ، طاهر النفس والحس فأجاب اللّه دعاءه على سنته في إجابة المهديين من خلقه دعاءهم ، كما قال تعالى : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ( 60 ) [ غافر ] . النقطة الثالثة : في قوله تعالى : أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى وهنا قراءتان في أن ، إحداهما بالكسر على تضمين النداء معنى القول ، أي فنادته الملائكة قائلين إن اللّه يبشرك بيحيى ، والفتح على أن الباء محذوفة والتقدير فنادته الملائكة بأن اللّه يبشرك بيحيى ، واقتران التبشير بالتسمية بيحيى للإشارة إلى أن ذلك المولود سيحيا اسمه وذكره بعد موته ، وبذلك تتحقق الإجابة الكاملة للدعاء ، إذ قال كما في سورة مريم يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ( 6 ) [ مريم ] . وقد أجاب المولى القدير كل دعاء زكريا ، فكان المبشر به رضيا في خلقه ودينه ؛ ولذا قال سبحانه في وصفه : مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ وصفه اللّه سبحانه وتعالى بصفات أربع كلها بجعل من اللّه وتكوينه وخلقه : وأولى هذه الأوصاف :