محمد أبو زهرة
1203
زهرة التفاسير
خالقي الذي خلقني ، وخلق كل شئ من طين ، وصدر عنه كل ما في الوجود بإرادته العالية : هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أي أعطني أنت عطاء كريما لا سبب له إلا إرادتك ، ولا باعث عليه إلا رحمتك ، فلا يكون الأمر فيه جاريا على مقتضى الأسباب ومسبباتها ، إنما يكون على مقتضى الهبة المجردة ، والعطاء الخالص الذي لا سبب له إلا إرادتك الأزلية وإلا رحمتك : مِنْ لَدُنْكَ أي من عندك ؛ أي السبب يكون من عندك لا من عندي ؛ لأن الأسباب عندي قد زالت ، ولم يعد إلا سبب منك ، وإلا معجزة تكون فيها المانح المعطى من غير أي علة أو ترتيب . والتعبير ب لَدُنْكَ التي لا تكاد تستعمل في القرآن إلا في جانب اللّه تعالى يفيد العندية العالية السامية ، لا العندية القريبة المقارنة ، ولا العندية المقاربة . ودعاء نبي اللّه أن يهب له ذرية طيبة ، فلم يذكر اللّه سبحانه عنه في هذه الآية سوى أنه يطلب ذرية طيبة ، والذرية قد بينا معناها من قبل . والطيبة : هي الذرية الحسنة المرغوب فيها التي تكون ذات أثر طيب ؛ لأن الطيب هو الأمر الحسن المحبوب المرغوب فيه الذي لا ينتج إلا خيرا ، ويأتي بخير الثمرات وأحسن النتائج ؛ ومن ذلك قوله تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً . . . ( 58 ) [ الأعراف ] . وبعد أن ضرع هذه الضراعة بدأ رجاؤه في الإجابة بقوله : إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ أي إنك تعلم بدعائى علم من يسمع ، وإن الأمر إليك إذ علمته وسمعته ؛ فإن أجبت فبرحمتك ، وإن لم تجب فبحكمتك ، فأنت العليم الحكيم ، والرحمن الرحيم . والصيغة تفيد قرب الرجاء وإمكان الإجابة . وفي هذه السورة لم يبين سبحانه شكل الدعاء أكان جهرا أم كان خفيا ، وفي سورة مريم بين حاله ، وبين نوع ما يطلب من الذرية ، فقال سبحانه : كهيعص ( 1 ) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ( 2 ) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ( 3 ) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( 4 ) وَإِنِّي