محمد أبو زهرة

1200

زهرة التفاسير

نَباتاً حَسَناً أي أنشأها برعايته ومحبته وحصّنها ، وكانت حالها كالنبات ينبته رب العالمين فينمو يوما بعد يوم حتى يستوى على سوقه ، فكذلك كان مع مريم : تولى رعايتها من المهد ، وغذاها بغذاء من الروح ، فبعدت عن كل شر ، وغذاها ونماها جسميا ، فجعل لها رزقا مستمرا يأتيها من حيث لا تحتسب ، ولا يحتسب كافلها ، أما التنشئة الروحية التهذيبية فقد كانت : بأن نشأت في بيت العبادة ، وإن كان الكافل لها نبيا من الأنبياء ، وأما الثاني فبالرزق المستمر كما أشرنا ، وقد ذكرهما اللّه تعالى بقوله : وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً : وَكَفَّلَها : أي ضمها إلى زكريا ؛ لأن الكفالة في أصل معناها الضم ، وقد ضمها إليه لتكون في رعايته ، وكان ذلك بإرادة اللّه ، ونتيجة اقتراع كان بينهم ؛ ذلك بأن الصالحين من قومها تنازعوا فيمن يكفلها ، فاقترعوا فكانت القرعة لنبي اللّه زكريا ؛ ولذا قال سبحانه : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( 44 ) [ آل عمران ] فكانت تلك القديسة الطاهرة في رعاية نبي ، وتربت في مهد النبوة ، لتكون هي وابنها آية للعالمين . وأما كفالة اللّه تعالى لرزقها ، فقد أشار إليها سبحانه بقوله : كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً المحراب هو مقدم بيت العبادة ، فكأنها كانت في عكوف دائم بالمسجد منذ غرارة الصبا ، بل كان ذلك وهي بالمهد ، والرزق كان يجئ من حيث لا يحتسب كافلها ، إما من هبات توهب لها ، أو من فيوض اللّه تعالى عليها ، وهو خالق كل شئ ، فمن خلق من العدم كل هذه الموجودات قادر على أن يؤتى لهذه المصطفاة رزقا جاريا لا يعلمه إلا هو ، وهو على كل شئ قدير . ومن أنكر ذلك ، فقد أنكر علم الغيب ، وهذا التخريج الأخير هو ما نراه حقا ؛ ولذا عجب زكريا منه ، فقال سبحانه حاكيا عنه :