محمد أبو زهرة

1199

زهرة التفاسير

فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 34 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ ( 35 ) [ الحجر ] . وإن اللّه تعالى عصم بهذا الدعاء مريم وابنها من أن يمسهما الشيطان . وقد ورد في ذلك بعض الآثار . ولقد قال الزمخشري في ذلك : يروى من الحديث « ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها » « 1 » فاللّه أعلم بصحته ، فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها ، فإنهما كانا معصومين ، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى : وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) [ الحجر ] واستهلاله صارخا من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه ، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ، ويقول : هذا ممن أغويه ، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي : لما تؤذن به الدنيا من صروفها * يكون بكاء الطفل ساعة يولد تلك ضراعات امرأة عمران عند ولادة مريم البتول ، وقد تقبل اللّه نذرها ، وأجاب دعاءها ؛ ولذا قال سبحانه : فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً قلنا إن التقبل هو أخذ الأمر بالنظرة الراضية المستحسنة غير المستهجنة ، ويكون القبول نتيجة له ، وقد ضرعت أم مريم أن يؤخذ نذرها مأخذ الرضا والاستحسان من ربها ، فيقبل ، وقد أجاب اللّه دعاءها ، وعلى ذلك لا يكون التقبل بمعنى القبول ، ولقد قال في ذلك الراغب الأصفهاني : ( إنما قال : فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ ، ولم يقل : بتقبل حسن ؛ للجمع بين الأمرين التقبل الذي هو التدرج في القبول ، والقبول الذي يقتضى الرضا والإثابة ) . هذا هو قبول النّذر ، أما إجابة الدعاء وهو ألا يمسها الشيطان أو لا يكون له سلطان عليها ؛ لأنها من عباد اللّه المخلصين ، فقد بينه اللّه تعالى بقوله : وَأَنْبَتَها

--> ( 1 ) متفق عليه ؛ رواه بهذا اللفظ البخاري : تفسير القرآن ( 4184 ) ، ومسلم : الفضائل - فضائل عيسى عليه السلام ( 4363 ) .