محمد أبو زهرة

1195

زهرة التفاسير

ثم جاء نوح من بعده بسنين وقرون لا يعلمها إلا علام الغيوب ، وهو الأب الثاني للخليقة ، فاصطفاه رب العالمين للهداية كما قال تعالى : كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ . . . ( 84 ) [ الأنعام ] . ثم جاء من بعد ذلك بقرون لا يعلمها إلا فاطر السماوات والأرض أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام ، فكان هو وآله من أقارب كلوط وذريته التي جاءت من بعده فيها صفوة الخلق وفيهم النبوة ، فكان منهم إسماعيل ومحمد في فرع ، وإسحاق وبنوه في فرع آخر ، وكان من هؤلاء آل عمران وهم ذرية عمران وأقاربه كزكريا ويحيى عليهما السلام ، ومن تلك الدوحة النبوية عيسى عليه السلام الذي ختمت به تلك الشعبة من أولاد إبراهيم . وتسلم الرسالة الخالدة إلى يوم القيامة الفرع الثاني من أولاد إبراهيم وهم ذرية إسماعيل ، فكان محمد ، وبه ختمت الرسالة الإلهية في هذه الأرض . وعمران هذا هو أبو مريم كما نصت على ذلك الآية التالية ، ولا حاجة لفرض أنه عمران آخر ، وهو أبو موسى ، فذكر اسم واحد في مقام واحد يشير إلى أن المدلول واحد ، ولا حاجة إلى فرض التغاير . وكلمة الآل تشمل الأقارب من العصبات ، والذرية . ولقد بين اللّه سبحانه بعد ذلك تسلسل هذه الصفوة المختارة بعضها من بعض فقال : ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ : الذرية هم الفروع من الأولاد وأولادهم مهما نزلوا ، وأصلها من مادة « ذرأ » ، وقيل من « الذرو » ، وقيل من « الذر » ، وكل هذه الألفاظ تنته إلى التكوين والتفريع فرعا من بعد فرع ؛ ومعنى النص الكريم أن أولئك المصطفين الأخيار بعضهم ذرية من بعض ، فهم متصلو النسب بسلسلة لا تنقطع ؛ فنوح من ذرية آدم ، وآل إبراهيم من ذرية نوح ، وآل عمران من ذرية آل إبراهيم ، وهكذا ، فهي سلسلة متصل بعضها ببعض في النسب والهداية . ويترتب على أن بعضهم من بعض أن تتشابه صفاتهم في الخير والفضيلة ما داموا جميعا مصطفين ، وما داموا جميعا من سلسلة ونسبة واحدة . وقد قال بعضهم إن معنى ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ