محمد أبو زهرة
1196
زهرة التفاسير
بَعْضٍ أنهم متشابهون ، كقوله تعالى : الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ . . . ( 67 ) [ التوبة ] فهم يشبه بعضهم بعضا ، وهم ذرية واحدة لآدم . والحق أن ذلك المعنى يجئ بالالتزام من المعنى الأول فليس مغايرا له من كل الوجوه . ثم ختم اللّه سبحانه وتعالى الآية بقوله : وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إشارة إلى كمال إحاطته ، وإلى أنه إذ اصطفى هؤلاء اصطفاهم على علم كعلم من يسمع ، أي أنه علم دقيق لا يخفى على اللّه شيء في الأرض ولا في السماء ، وإن ذلك النص الكريم فيه تمهيد لما سيتلى من بعد ، وهو قول امرأة عمران ، فقد قال تعالى حاكيا عنها : إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فقوله تعالى : إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ متعلق بقوله تعالى : والله سميع عليم : أي أن اللّه سبحانه وتعالى كان يعلم علم من يسمع في الوقت الذي قالت فيه امرأة عمران ذلك القول ، فهو سبحانه وتعالى سمع قول امرأة عمران ذلك القول ، ونذرها ذلك النذر ، وقد عقدت العزم على أن يكون ما في بطنها خالصا للّه سبحانه وتعالى ؛ ومعنى النذر التزام التقرب إلى اللّه تعالى بأمر من جنس العبادات المفروضة ؛ وقد نذرت هذه السيدة الكريمة لله ، أي التزمت لله أن يكون ما في بطنها محررا ، أي خالصا لله سبحانه وتعالى ولخدمة بيته المقدس ؛ فمعنى « محررا » أي مخلصا للعبادة والمناجاة ، ومن أخلص للعبادة فقد صار عتيقا من كل رق في الدنيا ، فهو عتيق من رق الهوى ، ومن رق الرجال ، ومن رق ذوى السلطان ؛ لأنه يكون خالصا لمالك الملكوت ، ومن خلص له تعالى فقد عتق من كل رق في الدنيا . وعمران : هو أبو مريم بهذا النص ، وهو عمران المذكور أولا كما ذكرنا ، وفرض المغايرة بأن يكون الأول عمران أبا موسى ، وأن عمران هذا هو أبو مريم ، تكلف لا حاجة إليه ، وليس في النص ما يدل عليه .