محمد أبو زهرة
1194
زهرة التفاسير
وفي قصص النبيين وكفر أقوامهم مع الآيات الحسية التي أتى بها النبيون بيان أن الكفر ليس منشؤه نقصا في البينات ، ولكنه ينشأ من الجحود وغلبة الهوى ، والإعراض عن مناهج الاستدلال الصحيح . ولعل أوضح مثل لذلك ، الآيات التي أجراها اللّه تعالى على يد عيسى عليه السلام ؛ فما كانت وراءها آيات تقرع الحس ، وتدل على خوارق العادات كهذه الآيات ، ومع ذلك كفروا وما آمنوا ، وما ازدادوا إلا طغيانا وعتوا . هذه تقدمة نقدم بها قصة أولئك الأبرار الأطهار ، ونبتدئ بما ابتدأ به القرآن الكريم من قصة مريم البتول : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ : معنى الاصطفاء : طلب الصفوة من كل شئ ، ولذلك قالوا إن معناها اختارهم مؤثرا لهم على غيرهم ، وفي التعبير بالاصطفاء إشارة إلى أن آدم ونوحا ، وآل إبراهيم وآل عمران هم صفوة الناس والتعبير بعلى في قوله تعالى : عَلَى الْعالَمِينَ إشارة إلى معنى التفضيل على غيرهم من الناس ؛ فهم صفوة الناس ، وهم مفضلون على كل الناس . وآل إبراهيم هم أسرة إبراهيم بفروعهم ، سواء منهم من أووا إلى مكة وكان منهم صفوة الخلق محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ومن كانوا في الأرض المقدسة وكان منهم النبيون من بعد ؛ وآل عمران هم ذرية عمران ، وهو أبو مريم البتول ، ومن ذرية عمران السيد المسيح عليه السلام الذي خلقه رب العالمين بكلمة منه هي « كن » . وإن في ذلك التسلسل إشارة إلى أن الخليقة لم تخل من هاد يهديها إلى الحق وإلى صراط مستقيم ؛ فقد ابتدأت الهداية بأبى الإنسانية آدم كما قال تعالى : ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى ( 122 ) [ طه ] فهو أول خليفة ، وأول هاد للإنسانية بمقتضى أبوته ، وبمقتضى اجتباء اللّه تعالى له ، وقد حكم بأنه هداه ، واهتدى به بنوه من بعده .