محمد أبو زهرة

1188

زهرة التفاسير

وأما محبة العبد لربه ، فقد قال الحارث المحاسبي في تعريفها بأنها : الميل بكلّيته لربه ، وإيثاره على نفسه وماله ، ثم مرافقته له سرا وجهرا ، ثم اعتقاده تقصيره في حقه مهما يؤدّ من واجبات وطاعات . ومحبة العبد لربه غير طاعته المجردة لأوامره ونواهيه ، وإن كانت ملازمة للاتباع المطلق للأوامر والنواهي ، وفي الحقيقة إن طاعة العبد لربه لها مرتبتان : أولاهما : الطاعة رجاء الثواب وخوف العقاب ، والثانية : الطاعة محبة لله تعالى ولقد قال في هذا المعنى النبي صلى اللّه عليه وسلم في وصف بعض أصحابه « نعم العبد صهيب ، لو لم يخف اللّه لم يعصه » . ولقد قال اللّه تعالى في وصف المؤمنين المتقين : أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ( 57 ) [ الإسراء ] فإن هذا النص الكريم دل على أن ثمة مقامين جليلين : مقام الطاعة رجاء الثواب وخوف العقاب ، والطاعة بالتوسل إلى اللّه والتقرب منه ، كما قال تعالى : أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وهذا مقام الطاعة محبة وازدلافا إليه سبحانه ، وهذه هي الوسيلة المبتغاة ، والمحبة المرتجاة ، وإن المحبة تقتضى الأنس بذكر اللّه تعالى ، فتكون النفس ممتلئة بالسرور لقرب اللّه ، ومعرفة اللّه ، وكمال العبودية له ، والشعور بكمال ألوهيته ، حتى يستغرق ذلك كل حسه ، وكل نفسه وقلبه ، ولا يكون موضع لتذكر سواه . والمحبة هي غاية التصوف العالي وسمته وعنوانه ؛ ولذا يقول ابن القيم في مدارج السالكين : « المحبة سمة هذه الطائفة المسافرين إلى ربهم ، الذين ركبوا جناح السفر إليه ، ثم لم يفارقوه إلى حين اللقاء ، وهم الذين قعدوا على الحقائق ، وقعد من سواهم على الرسوم » . والمحبة ثلاث درجات : أولاها : استغراق النفس بذكر اللّه ، فلا يرتفع إلى مقامه في القلب ذكر شئ سواه ، ويصف الهروي في « منازل السائرين » تلك المحبة بأنها : تقطع الوساوس ، وتسلى عن المصائب ، وتثبت تلك الدرجة من الشعور بقوة اللّه ، ومن اتباع السنة المحمدية ، والشعور بالحاجة والفاقة إليه تعالى .