محمد أبو زهرة

1189

زهرة التفاسير

والدرجة الثانية : وهي أعلى من هذه في درجات المحبة - هي التي يلهم فيها اللسان بذكر اللّه بعد امتلاء القلب ، والجوارح بإيثار الحق ، ويقول فيها ابن القيم : « فيها مطالعة الصفات ، وشهود معاني آياته المسموعة ، والنظر إلى آياته المشهودة . وكل منها داع قوى إلى محبته سبحانه ؛ لأنها أدلة على صفات كماله ، ونعوت جلاله ، وتوحيد ربوبيته وألوهيته ، وعلى حكمته وبره وإحسانه ، ولطفه وجوده ، وكرمه وسعة رحمته ، وسبوغ نعمه ، فإدامة النظر فيها داع لا محالة إلى محبته » « 1 » . والدرجة الثالثة : المحبة التي يكون فيها الشهود بنور القلب . وجاء في « منازل السائرين » في هذه المحبة ( هذه المحبة هي قطب هذا الشأن ، وما دونها محاب نادت عليها الألسن ، وادعتها الخليقة وأوجبتها العقول ) . هذه إشارات موجزة إلى ما يقوله أهل التصوف في المحبة بين العبد وربه ، وقد قبسنا منها قبسة نرجو أن تضئ في هذا الموضوع ، وإن كانت لا تدفئ . وإن العبرة في هذا الموضوع هي أن الشريعة لا يصح أن تنسى حتى في أعلى مقام للمحبة ، فإنها هي الدليل المرشد ، والمصباح المنير لمن يريد أن يصل إلى درجة المحبة الحقيقية ، وهي أعلى درجات الإيمان ، وأقوى درجات الاتباع . فاتباع أحكام الشرع هو طريق المحبة عند أهل السنة الراشدين ، وتنكب طريق الاتباع وادعاء الارتفاع عن التكليف هو مخرف أهل الابتداع الضالين . وإذا كان ذلك هو الحق ، فإطاعة اللّه ورسوله هي فيصل التفرقة بين الحق والباطل وبين محبة اللّه ومحبة الضلال ، وبين الإيمان والكفر ؛ ولذا قال سبحانه وتعالى بعد ذلك : قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ . الأمر للنبي صلى اللّه عليه وسلم بأن يدعوهم إلى طاعة اللّه وطاعته ، وهو معنى الاتباع في الماضي ، وتكرر الأمر بهذه الصيغة للإشارة إلى أن اتباع الرسول هو طاعة لله

--> ( 1 ) مدارج السالكين ج 3 ص 25 .