محمد أبو زهرة

1187

زهرة التفاسير

العلامة الثالثة : الجهاد في سبيل اللّه بالنفس واللسان والمال ، وذلك هو تحقيق دعوى المحبة . والعلامة الرابعة : أنهم لا يأخذهم في اللّه لومة لائم ، وهذه علامة صحة المحبة ، فكل محب أخذه اللوم عن محبوبه فليس بمحب على الحقيقة « 1 » . تلك هي آيات الاتباع الذي يوجب هذه المحبة ، وقد وصف النبي صلى اللّه عليه وسلم كمال الإيمان الذي يوجب هذه المحبة ، فقال : « أن يكون اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما » « 2 » وهذا الوصف هو الجامع لكل الأمارات التي لا يند عنه « 3 » شئ منها . هذا هو القول في الأمر الأول ، وهو الاتباع الذي تترتب عليه المحبة . بقي أن نتكلم في الأمر الثاني وهو التعريف بالمحبة التي تكون من اللّه للعبد ، والمحبة التي تكون من العبد لله تعالى : أما محبة اللّه فحال من أحوال الذات العلية لا نعرف كنهها ، ولا ندرك حقيقتها وهي تليق بذاته الكريمة ، وتتفق مع صفات الجلال والكمال التي يتصف بها واجب الوجود ، والذي خلق بقدرته كل موجود ، وهي غير الإحسان ، وإن كانت من فضل اللّه ، وغير الرحمة ، وغير الرضا ؛ لأن اللّه سبحانه وتعالى جعلها لبعض عباده ، والإحسان والرحمة يعمّان كل موجود ، والرضا وإن جعله جزاء أعلى للمحسنين ، كما قال في جزاء المؤمنين بعد ذكر الجنات والنعيم المقيم : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ . . . ( 72 ) [ التوبة ] نجد المحبة أكثر منه . وقد ذكرها اللّه سبحانه وتعالى فكان هذا دليلا على أنهما متغايران بالنسبة لذاته العلية ، كما أن المدلول اللفظي لهما متغاير ، وإن كانت المحبة تتضمن الرضا لا محالة ، بل إنها لا تكون إلا حيث يكون أقصى الرضا ، هذه إشارة إلى محبة اللّه لبعض عباده الذين اصطفاهم .

--> ( 1 ) جاء في هامش الأصل : راجع في هذا الجزء الثالث من « مدارج السالكين » ، ابن قيم الجوزية ، ص 14 . ( 2 ) البخاري : الإيمان - حلاوة الإيمان ( 15 ) ، مسلم : الإيمان ( 60 ) . ( 3 ) أي لا يشرد . ندّ البعير يندّ ندودا إذا شرد . لسان العرب - باب النون - ندد .