محمد أبو زهرة
1184
زهرة التفاسير
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ الأمر للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وجعل سبحانه وتعالى الخطاب منه للنبي صلى اللّه عليه وسلم إليهم لبيان شرف النبوة وعلوها ، ومكانة الاتصال بينها وبين اللّه سبحانه وتعالى ؛ إذ جعل اتباع الرسول يكون من نتائجه محبة اللّه تعالى . وكون النبي صلى اللّه عليه وسلم هو الذي يخاطب بذلك ويقرره ، وأن اللّه تعالى يمضى ما يقرره ، علو بمقام الرسالة المحمدية ، وبمقام النبوة ؛ لأن فيه إشعارا بعظم محبة اللّه لنبيه ، وأنها فوق كل محبة ؛ فإذا كان من يتبعه يحبه ، فهو إذن في أعلى درجات المحبة ؛ ولأن فيه بيان أقوى الاتصال ؛ لأن خطابه لهم هو خطاب من اللّه لهم ، بدليل أن المحبة من اللّه تجىء نتيجة لاتباعه الذي دعا إليه صلى اللّه عليه وسلم . وقوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ فيه إيجاز معجز ، وهو إيجاز حذف دل عليه المقام ؛ لأن المعنى : إن كنتم تحبون اللّه فاتبعوني ، وإن اتبعتمونى يحببكم اللّه ؛ لأن جواب فعل الأمر في معنى الجزاء ، فكان ثمة فعل شرط مقدر ؛ وإن هذه الجملة السامية تدل على ثلاثة أمور : أولها : أن أول طرق محبة اللّه تعالى هو اتباع الرسول صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأن طاعة الرسول طاعة لله تعالى جلت قدرته ، وعصيان الرسول عصيان لله تعالى ، وليس من المعقول أن يحب اللّه تعالى ويعصيه ؛ ولذلك يقول الشاعر الصوفي : تعصى الإله وأنت تظهر حبّه * هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبّك صادقا لأطعته * إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع الأمر الثاني الذي يدل عليه النص الكريم : أن الطاعة ومحبة العبد لربه يترتب عليهما حتما محبة اللّه سبحانه وتعالى لعبده . وأي منزلة للطاعة أسمى من أنه يتبعها حتما محبة اللّه سبحانه وتعالى . الأمر الثالث الذي يدل عليه النص القرآني : وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ أن من يصل إلى مرتبة المحبة التي تبتدئ بالطاعة وتنته بمحبة اللّه تعالى يغفر له اللّه