محمد أبو زهرة
1185
زهرة التفاسير
سبحانه وتعالى كل ما كان له من تقصير سابق وإثم قد جلته المحبة عن القلب ؛ وذلك لأن السيئات أدران تعلق بالقلب ، فإذا وصل إلى درجة محبة اللّه تعالى ، بعد قيامه بحق الطاعات ، انصهر قلبه بهذه المحبة ، وإذا انصهر القلب بالمحبة زال عنه كل خبث ومحى كل درن ، فصفا ، واللّه سبحانه وتعالى يغفر لمن يصل إلى هذه المرتبة . ولقد ذيل اللّه سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ : وصفان كريمان للذات العلية : أولهما أنه غفور ؛ أي أنه كثير الغفران لعباده ؛ لأن فعول تدل على المبالغة ، ووصف اللّه تعالى نفسه بهذا الوصف للإشارة إلى أنه يحب من عباده الطاعة ، ويحب من عباده التوبة ؛ فهو ليس كحكام الدنيا الذين يفرضون العقاب ولا يتمنون لرعاياهم الخلاص منه ، بل يتمنون إنزال العقوبة بهم ، واللّه سبحانه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم يقبل التوبة عن عباده ، ويحب المغفرة ، ولذلك وصف بالتواب ؛ فالعقاب ليس لذاته ، ولكن لكيلا يتساوى المسىء بالمحسن ، وليحمل المسىء على الطاعة ويستمر المحسن على إحسانه . والوصف الثاني الذي وصف به ذاته العلية : أنه رحيم . وكان من رحمته أن قبل التوبة وغفر الذنب ، ومن رحمته أنه أرسل الرسل بالبينات ليقيموا القسط بين الناس ، ويعلّموا هذه الشرائع التي بها صلاح الدنيا ، وبها تقوم على الخير والفضيلة ؛ ولذا قال سبحانه وتعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) [ الأنبياء ] ، وكان من رحمته أن سنّ العقاب للمسيئ المستمر على إساءته الموغل في الفساد ؛ فإن من يفسد في الأرض يكون من الرحمة عقابه ، ومن لا يرحم الناس كان من مقتضى الرحمة بالناس أن لا يرحم ؛ ولذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من لا يرحم لا يرحم » « 1 » .
--> ( 1 ) رواه البخاري : الأدب - رحمة الولد وتقبيله ( 5538 ) ، ومسلم : الفضائل - رحمته صلى اللّه عليه وسلم الصبيان والعيال ( 4282 ) .