محمد أبو زهرة

1173

زهرة التفاسير

وعلى هذا نقول إن إخراج الحي من الميت ليس فلق النوى بإخراج النبات والشجر منه فقط ، بل بهذا وبتدرج الحياة ، وإدخال عناصر الغذاء التي تكون الحي وأكثرها من جماد ؛ ولذا قال سبحانه في آية أخرى : إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 95 ) [ الأنعام ] وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ هذا مظهر رابع من مظاهر قدرة اللّه تعالى المحسوسة بين الناس ، وهو الرزق للعباد ، وكلمة الرزق تشمل إعطاء اللّه عبيده مالا ، وإعطاءهم جاها ، وإعطاءهم علما ، وإعطاءهم حزما ورأيا ، وإعطاءهم صحة ، فكل هذه أرزاق يعطيها رب العالمين . ولذا قال الراغب الأصفهاني في مفرداته : « الرزق يقال للعطاء الجاري تارة ، دنيويا كان أم أخرويا ، وتارة للنصيب ، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى منه به تارة أخرى ؛ يقال أعطى السلطان رزق الجند ، ورزقت علما ؛ قال تعالى : وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ . . . ( 10 ) [ المنافقون ] أي أنفقوا من المال والجاه والعلم » . فاللّه سبحانه وهو الرزاق ذو القوة المتين ، قد وزع رزقه بين عباده بالقسطاس المستقيم ؛ فمنهم من أعطاه صحة وعافية ، ومنهم من أعطاه مالا وحرمه من نعمة العلم ، ومنهم من أعطاه جاها وسلطانا ، ومنهم من أعطاه أولادا تقربهم عينه ، ومنهم من وهب له ذكرا حسنا بين الناس . ومن قصر الرزق على المال فقد ضل ضلالا بعيدا ، كذلك المعترض الذي يقول : كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه * وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الأوهام حائرة * وصيّر العالم النّحرير زنديقا فما في ذلك حيرة إلا في رأس القائل ، فتلك هي القسمة العادلة : حرم هذا من المال وأعطاه علما ، وحرم هذا من الولد وأعطاه ذكرا بين الناس . . وهكذا ؛ ولو اجتمعت كلها في واحد ، لكانت الحيرة ، وعلاجها التفويض المطلق لرب العالمين .