محمد أبو زهرة

1172

زهرة التفاسير

اللّه تعالى وقيامه على كل شئ ، وفي الليل تبدو الكواكب والنجوم ، وتظهر آيات ذلك النظام العجيب المحكم الذي يسيره سبحانه بقدرته وحكمته . وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ هذا مظهر كونى حسى يدل على عظيم قدرة اللّه ، وبيان أنه لا إرادة في هذا الكون غير إرادته ، وأنه القادر على كل شئ ، يخرج الضد من ضده ، وهو المبدع لكليهما ، المسير لهما ؛ فاللّه سبحانه يخرج الحىّ من الميت ، ويجعل من هذا الحىّ الذي أخرجه ميتا ؛ وإخراج الحىّ من الميت ليس هو الخلق الأول الذي ذرأ اللّه به الأحياء ، وهو خلق آدم من طين ، فإن الخلق غير الإخراج ؛ إذ الخلق إبداع وإنشاء ابتداء ، واللّه هو الخلاق العليم ، ولا خالق سواه ، والإخراج تحويل فيه معنى الاستخراج والتوليد ؛ وإخراج اللّه الحىّ من الميت قال بعض العلماء وهم الأكثرون : إنه إخراج الجسم النامي الذي يسير في مدارج الحياة ، من الجسم الجاف الذي لا تبدو فيه حياة ، كإخراج الشجرة من النواة ، والعود من البذرة ؛ وإخراج الميت من الحي هو أيضا إخراج النواة الصلبة من الجسم الحىّ النامي ، وإخراج البذرة الجافة من العود الحي الرطب . وقد يعترض على ذلك بأن النواة الجافة والبذرة الصلبة فيها حياة تولدت عنها تلك الحياة المحسوسة للنبات ، وكذلك النطفة التي تبدو سائلا ليس فيه حياة فيها أحياء تتوالد فتكون ذلك الحيوان المحسوس . وقد يجاب عن ذلك بأن ذلك اصطلاح علمي ، وإن الحياة التي تعرفها اللغة مظهر ذلك النماء المتدرج المستمر . وفي الحق إن إخراج الحىّ من الميت أمر محسوس مرئى كل يوم ؛ فإن تلك الشجرة أو ذلك العود النامي يتغذى من الهواء والضوء والماء والتراب ، وكلها جماد لا حياة فيها ، وما يتم التحول المتدرج في الحياة إلا بتلك العناصر التي هي غذاء الحي ، فهي إخراج الحي من الميت ، وليس المراد من الميت من كانت به حياة ثم انتهت ، إنما الظاهر من كلمة الميت هو ما لا حياة فيه ؛ وإن إخراج الميت من الحي أمر واضح لا مجال للشك فيه ؛ فهذا العود الأخضر يصير حطاما ، وهذا الجسم الحيواني يتحلل فيكون رميما ثم يكون ترابا .