محمد أبو زهرة
1171
زهرة التفاسير
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فكل ما في هذا الوجود من أشياء وأعمال ومخلوقات تحت قدرة اللّه ، وكله خير بالنسبة له سبحانه ، والشر والخير بالنسبة لمقاصد الناس ، ولانتفاعهم بما مكّن اللّه تعالى في هذه الأرض . وإنه يلاحظ دائما أن الشر نسبى للناس ، ولا يصح أن يقال في فعل اللّه إلا أنه خير . ولقد بين سبحانه مظاهر قدرته في الكون المحسوس فقال سبحانه مبتدئا بآياته جل شأنه في الليل والنهار : تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ هذا مظهر حسى لقدرة اللّه تعالى في هذا الكون . تولج معناها تدخل ، أي تدخل الليل في النهار وتدخل النهار في الليل . وقد فسر بعض العلماء دخول الليل في النهار بزيادة الليل حتى يصل إلى أقصى الزيادة ، وفي هذا الوقت ينقص النهار حتى يصل إلى أقصى النقصان ، وكذلك دخول النهار في الليل فمعناه أن يأخذ النهار جزءا من معدل النسبة بينهما وهو تساويهما ، فيدخل النهار في الليل . وفقد فسر الزمخشري مع كثير من المفسرين دخول الليل في النهار ودخول النهار في الليل بالتعاقب بينهما بأن يكون الوقت نهارا ثم يصير ليلا ، ويكون ليلا ثم يصير نهارا ، ولكن كيف نسمى ذلك التعاقب دخولا لليل في النهار ، ودخولا للنهار في الليل ؟ والجواب عن ذلك : أن الليل لا ينقلب نهارا دفعة واحدة ، بل إنه يدخل النهار في الليل شيئا فشيئا ، فيبتدئ النور يدخل في الظلمة شيئا فشيئا ، يبتدئ الفجر الكاذب فالصادق ، فتنفس الصبح لحظة بعد لحظة ، والنور يغزو الظلمة حتى تنجاب غياهبها ، فيكون الضوء الساطع ؛ وكذلك لا يجئ الليل دفعة واحدة ، بل يبتدئ الضوء يضعف من الأصيل حتى تجيء الغروب ، ثم تجىء العشية ، فيكون ظلام وتمحى آية النهار . وإن توجيه الأنظار إلى دخول الليل في النهار ، ودخول النهار في الليل ، سواء أكان بالمعنى الأول أم كان بالمعنى الثاني ، فيه توجيه الأذهان إلى عظمة الكون وكمال سلطانه سبحانه وتعالى فيه ، فما كان تعاقب الليل والنهار وتداخلهما إلا ظاهرة لدوران الأرض حول الشمس ، وحركة الفلك الدوار المستمرة الدائبة بقدرة