محمد أبو زهرة
1170
زهرة التفاسير
يكون عزيزا بين الناس من يكون عبد شهوته ؛ فإن العزة تبتدئ من النفس ، فإن ضبط المرء أهواءه وشهواته وسيطر عليها أعطاه العزة ، فكان بين الناس عزيزا ؛ ومن سيطرت عليه أهواؤه ومطامعه وشهواته كتب اللّه عليه الذلة ، وكان الذليل وإن ظهر أنه العزيز ؛ ولذا كان من حكمة السلف الصالح قولهم : « أذلّ الحرص أعناق الرجال » . بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هذا تسليم بأن ما يفعله اللّه تعالى دائما خير ، وأن الخير كله بيده سبحانه وقوله تعالى : بِيَدِكَ الْخَيْرُ معناه إنك وحدك الذي تملك الخير كله ، ف « ال » في قوله « الخير » للاستغراق الشامل ؛ فكل خير هو بيد اللّه سبحانه . والتعبير ب « يد » هنا إشارة إلى الملكية التامة السيرة ، فهو استعارة تمثيلية ، فقد قرب سبحانه - وللّه تعالى المثل الأعلى - لأذهاننا معنى سلطانه وكمال ملكه لكل الأمور ، بحال من يكون الأمر في يده وقبضته ، ولا سلطان لأحد من الناس فيما بيده ، وفي قبضته . ومعنى قوله تعالى : إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ شمول قدرته على الأشياء كلها : ما يتخذه الناس سببا للخير عندهم ، وما يتخذونه سببا للشر عندهم . وفي الجمع بين قوله تعالى : بِيَدِكَ الْخَيْرُ و إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إشارة إلى أمرين : أولهما : أن كل ما يفعله اللّه تعالى هو خير ، فلا يقال إن بيده الخير والشر ، فإن الشر معنى نسبى بالنسبة للعبيد ، ولكن بالإضافة إلى اللّه تعالى فإن اللّه لا يفعل إلا خيرا . ولقد قال الزمخشري في هذا المقام ما نصه : « إن كل أفعال اللّه تعالى من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله كإيتاء الملك ونزعه » . الأمر الثاني : إثبات أن اللّه تعالى خالق الأسباب ، وهي الأشياء التي يستخدمها الناس للخير والشر ، يحسنون فلا يقصدون إلا النفع فيكون ما مكّن اللّه لهم في الأرض نفعا للناس وخيرا ، ويسيئون فيقصدون إلى نواحي الفساد فيكون ما يفعلونه فسادا وضررا عاما . وهذا أشار إليه سبحانه بقوله تعالى : إِنَّكَ عَلى