محمد أبو زهرة
1165
زهرة التفاسير
دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي ما استمروا على افترائه جيلا بعد جيل . ولقد رد اللّه سبحانه وتعالى زعمهم بإثبات أن الثواب والعقاب بالعمل ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ؛ ولذا قال سبحانه : فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ كيف : يستفهم بها عن الحال ، أي ما حالهم وما شأنهم إذا جمعهم اللّه رب العالمين ، ليوم لا ريب فيه ؟ لا شك أنهم يفاجئون بذهاب غرورهم الذي اغتروه ، وضلالهم بسبب استمرار افترائهم الذي أحدثوه فدلاهم في غرورهم ؛ وإنه في هذا اليوم الذي لا ريب فيه توفى كل نفس ما كسبت أي جزاء ما كسبت ، وهم لا يظلمون أي لا ينقصون مما فعلوه شيئا ، فسيجزون بالخير الحسنى ، وبالشر السوأى . وفي الآية الكريمة بعض البحوث اللفظية نشير إليها واحدا واحدا ؛ لأن في بيانها توجيها إلى معان دقيقة في النص الكريم : أول هذه الأمور : الفاء في قوله تعالى : فَكَيْفَ فإنها هي ما تسمّى فاء الإفصاح ، وهي التي تفصح عن شرط مقدر ، أي أنه إذا كانت العقوبة المقررة عليكم أياما معدودات في اعتقادكم مهما ارتكبتم ، فما ذا تكون حالكم إذا كانت المفاجأة التي لم تقدروها وطمس عليكم فلم تعلموها ؟ . وثاني هذه المباحث اللفظية قوله تعالى : جَمَعْناهُمْ فإن التعبير بلفظ الجمع فيه إشارة إلى معنى المساواة التامة ، وأنه لا فضل لجنس على جنس ، وإضافة هذا الجمع إلى رب العالمين ، خالق الناس أجمعين يزكى هذه المساواة ؛ لأنه خالق الجميع ، ورب الجميع ، وجامع الجميع يوم القيامة ، فالجميع بين يديه سواء في الأصل والتكوين وفي الربوبية والحفظ ، وفي الجمع يوم القيامة فيكونون سواء في الحساب والعقاب والثواب ، وكل وعمله . وثالث هذه الأمور : تنكير « يوم » في قوله تعالى : لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ فإن ذلك التنكير للتهويل ، وبيان عظم شأنه وأنه يوم عبوس ، وأنه مع شدته وشدة