محمد أبو زهرة
1164
زهرة التفاسير
شأن عباد اللّه الأخيار ؛ وإما خوف العقاب والحساب ، وذلك شأن المتقين وأولئك قد حرموا الأول والثاني ، فلم يبق إلا الثالث ، فاستهانوا بالعقاب فكانوا قوما بورا . وإن المؤمن يجب أن يصون نفسه دائما بخوف العقاب ، وأن يغلب الخوف على الرجاء ؛ فإنه إن زاد الرجاء عن الخوف تسربت الاستهانة إلى النفس وإذا تسربت الاستهانة هانت النفس فأركست في السيئات ، وارتكبت الموبقات ؛ وذلك شأن كثيرين من المنتسبين للأديان ، وشأن كثيرين من المسلمين في هذه الأيام . وإنه يجب على المؤمن ألا يغتر ، ولا يأخذه الغرور فيستهين بعقاب . ولقد رد اللّه سبحانه وتعالى في غير هذه الآية على اليهود في زعمهم أنهم لا يعاقبون إلا أياما معدودة ، فقد قال اللّه تعالى : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 80 ) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 81 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 82 ) [ البقرة ] . وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ يقال غررت فلانا أي أصبت غرته ونلت منه ما أريد بسبب ذلك ، والغرة : الغفلة والغفوة . ومعنى وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ : أصاب موضع الغرة والغفلة منهم في دينهم ما كانوا يفترون أي يكذبونه متعمدين قاصدين . وإن الأوهام التي ترد على النفس وتستولى على القلب تدفع إلى الضلال ، وكذلك شأن هؤلاء اليهود : تعصبوا تعصبا شديدا لدينهم ، وأبغضوا غيرهم بغضا شديدا ، حتى إنه لا يتصور أن يهوديا أحب غير يهودي لغير مأرب من مآرب الدنيا ، أو غاية من غاياتها ؛ وحتى لقد حسبوا أن الديانة جنس ، واندفعوا تحت تأثير ذلك التعصب إلى اعتقاد أوهام ، ثم تأييد هذه الأوهام بأكاذيب افتروها ، ثم تكاثفت تلك الأكاذيب جيلا بعد جيل ، حتى أصابت غرة وغفلة في عقولهم ، فاعتقدوا ما لا يعتقد ؛ اعتقدوا أنهم شعب اللّه المختار ، وأنهم أبناء اللّه وأحباؤه ، واعتقدوا أن الجزاء بالجنس لا بالعمل ؛ وهذا ما يفيده قوله تعالى : وَغَرَّهُمْ فِي