محمد أبو زهرة

1161

زهرة التفاسير

وأيامّا كان الكتاب المشار إليه في الآية فالأمر دليل على أنهم لا يذعنون لحق ولا يهتدون بهدى ، بل هم قوم غلبت شقوتهم ، وغلب هواهم على تفكيرهم وطمس اللّه على أبصارهم وبصائرهم ، فهم لا يهتدون ، ولا ترجى منهم هداية ، فلا تعجب إذا لم يؤمنوا . وقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ هذا تعبير قرآني معناه لقد رأيت وتحققت وعجبت من أمر أولئك الذين أوتوا نصيبا من الكتاب كيف يدعون إلى حكم الحق فيتولون ويعرضون . والاستفهام داخل على الفعل المنفى ، وهو استفهام إنكاري تعجبي ، فهو نفى دخل على فعل منفى ، ونفى النفي إثبات ، إذ إن نفى عدم الرأي معناه ثبوت الرؤية ، وسيق الكلام على ذلك النحو لتأكيد الأمر ، وللتعجب ، ولبيان أنه ما كان يصح أن يقع ، ولكنه وقع . وقوله تعالى : أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يشير إلى أمرين : أولهما : أنهم يتعلقون باسم الكتاب ولكن لا يأخذون به ؛ فالنصيب المراد به الجزء المعنوي من الكتاب ، وهو أنهم تلقوا كتاب التوراة وأخذوا منه ترديده وذكره ، ولم يأخذوا منه الهداية والإيمان . وثانيهما : أنهم حرفوا هذا الكتاب وغيروه ، فما عندهم هو نصيب من الكتاب أي جزء منه ، وليس كل الكتاب . وعبر هنا بقوله تعالى : أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ وفي الآيات السابقة قال سبحانه : وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ . . . ( 19 ) [ آل عمران ] وذلك لأن الكلام هنا في الذين كانوا يعاصرون النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والذين كانوا يعاصرون النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يكن عندهم قطعا إلا حظ من الكتاب ، ولم يكن عندهم كل الكتاب ؛ أما في الآيات السابقة فقد كان الكلام في الذين عاصروا النبيين السابقين من بني إسرائيل ، وقد كان عندهم الكتاب كله ، ومع