محمد أبو زهرة

1162

زهرة التفاسير

ذلك ضلوا على علم ، وذلك لسيطرة الهوى على قلوبهم ، وغلبته على نفوسهم ، فبغوا وطغوا ، وقتلوا النبيين والذين يأمرون بالقسط من الناس . دعى أولئك اليهود إلى كتاب اللّه تعالى ليحكم بينهم ، وقد كانت النتيجة أنهم لم يذعنوا للحق كما قررنا ، بل تولوا عنه ، أو تولى فريق منهم عن الحق ؛ ولذا قال تعالى : ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ أصل تولى الأمر أو الشخص الإقبال عليه ، والانصراف إليه ؛ ومن ذلك قوله تعالى : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ . . . ( 51 ) [ المائدة ] أي من يتخذ منهم ولاية ونصرة ، ويقبل عليهم فهو منهم . وإذا عدّى هذا الفعل ب « عن » أو قدرت في القول كانت بمعنى الانصراف عن الأمر وعدم الإقبال عليه ؛ ومن ذلك قوله تعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ( 63 ) [ آل عمران ] وقوله تعالى : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ( 38 ) [ محمد ] . والمعنى في هذه الآية هو من هذا القبيل ، أي أنه بعد الدعوة إلى تحكيم كتاب اللّه تعالى ينصرفون عن الحق ، ويولونه أدبارهم ، بدل أن يولوه قلوبهم . وعبر هنا بثمّ التي تفيد التراخي للإشارة إلى تباين حالهم مع ما كان ينبغي منهم ؛ وذلك لأنهم ليسوا أمّيين أو جاهلين فيعذروا ، بل هم قوم أهل علم ودين ، ونزلت بين أيديهم كتب السماء ، فهم كانوا جديرين بأن يرضوا بحكم الكتب المقدسة ، ولكنهم بدل أن يخضعوا ويذعنوا أعرضوا ، واستمروا في غيهم يعمهون ، فكان هذا التفاوت بين ما كان ينبغي ، وما هو كائن ، سببا في التعبير بثم المفيدة للتراخى بين المعطوف والمعطوف عليه ، والتباعد بينهما زمانا أو معنى . وقوله تعالى : وَهُمْ مُعْرِضُونَ قال بعض المفسرين : إنه تأكيد لمعنى التولي ، والحق أنها أفادت معنى جديدا ، إذ أفادت أمرين :