محمد أبو زهرة

1559

زهرة التفاسير

قليلة ، بل لهم فيها الخلود ، فالنعيم كثير والزمن طويل ، بينما الآخرون نعيمهم ضئيل قصير ، وعذابهم دائم كثير . نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ « النّزل » ما يعد للضيف لإكرامه والحفاوة به ، ونصب ( نزلا ) على التمييز كما تقول كان لك هذا هبة ، أي من نوع الهبة ، وفي هذا بيان لمقدار عناية الرحمن الرحيم بهم ، وإدخالهم مدخل صدق ، وإنزالهم منزلا مباركا ، وقد بين العطاء الروحي بعد العطاء المادي ، فقال سبحانه : وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ ، وقد حاول بعض المفسرين أن يقول إن الأبرار مرتبة أعلى من مرتبة المتقين ، سيرا على قاعدة ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) ، ويكون تفسير النص السامي على نظرهم ، ومعناه أن ثمة للأبرار منزلة روحية ، وتكريما رضوانيا هو خير من المذكور ، ومع هذا لا مانع من أن نقول إن الذين اتقوا هم الأبرار ، والمعنى إن اللّه أعد لهم شيئا خيرا من النزل ، وهو الرضوان والنعيم الروحي مع النعيم المادي . وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا بين سبحانه ما كان من أهل الكتاب ، وما كانوا ينزلونه بالمؤمنين ، وما يسمعونهم من أذى ، كما قال سبحانه : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً . . . ( 186 ) [ آل عمران ] . وفي هذا النص الكريم يبين اللّه سبحانه باب الرحمة المفتوح لهم ، فذكر سبحانه مؤكدا القول ب « إن » وب « اللام » الدالة على القسم اهتداء فريق منهم ، وذلك أن هؤلاء المهتدين قد تحلوا بخلال خمس : أولها أنهم يؤمنون أقوى الإيمان وأخلصه ، والإيمان يزيل العناد والغطرسة فيطلبون الحق لذات الحق . والثانية أنهم يؤمنون بما أنزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن يعلموا أنه آخر لبنة في صرح النبوة ، وأنه لو كان موسى حيا لآمن بمحمد . والثالثة أن يؤمنوا بحقيقة ما أنزل إليهم ، ويعرفوا أن الرؤساء حرفوا الكلم عن مواضعه ، وأن يعرفوا أن ما أنزل إليهم أو إلى أسلافهم