محمد أبو زهرة
1160
زهرة التفاسير
قد بين سبحانه وتعالى في الآيات السابقة عن ماضي اليهود من أهل الكتاب أنهم اختلفوا بغيا بينهم مع أن أسباب العلم متوافرة بين أيديهم ، ولكن البغى ومجاوزة الحد إن سكنا في رؤوس قوم أذهب عنهم الهداية ، وتحكمت فيهم الغواية مهما تكن أسباب العلم قائمة ؛ وبين سبحانه أيضا أنهم قوم غير مخلصين في طلب الحقيقة ، وأنهم لو أخلصوا لوصلوا ، وأن محاجتهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم منبعثة عن الهوى والغرض . وفي هذه الآيات يبين سبحانه صورة حسّية عن مناقشتهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ يكون الحق محسوسا بين أيديهم ويعرضون بعد أن تتبين الحجة ناصعة . أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ هذه الآية نزلت في طائفة من اليهود ، دعاهم النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الدين الحق فأعرضوا ، ودعاهم ليحكم بينهم كتاب اللّه فأعرضوا ، ولكن ما كتاب اللّه الذي دعاهم إليه ؟ روى في ذلك ابن جرير الطبري روايتين : إحداهما : أن المراد من كتاب اللّه التوراة ، فهي في أصلها كتاب من عند اللّه ، وإن حرفوه وغيروه ؛ ويروى في ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم دخل مدراس اليهود ، وهو بيت تدارسهم ، فدعاهم إلى اللّه ، فقال قائلهم له : على أي دين أنت يا محمد ؟ قال : على ملة إبراهيم ، فقال القائل : إن إبراهيم كان يهوديا ، فقال الرسول الكريم صلى اللّه عليه وسلم : « هلمّ إلى التوراة فهي بيننا وبينكم » هذه هي الرواية الأولى . وإطلاق كلمة كِتابِ اللَّهِ على التوراة باعتبار أصلها ، وباعتبار أن الجزء الذي كان التحاكم إليه فيها هو من الجزء الباقي الذي لم يدخله تحريف . والرواية الثانية : أن كتاب اللّه هو القرآن ؛ وذلك لأن طائفة من اليهود تحاكموا إليه صلى اللّه عليه وسلم ليحكم بينهم بحكم القرآن ، فلما تبين لهم الحكم وأنه على غير هواهم أعرضوا ونأوا بجانبهم عن سماع قول الحق والإنصات إليه .