محمد أبو زهرة

1159

زهرة التفاسير

وهذه الأعمال حبطت أعمالهم ، أي بطلت وأصبحت لا تنتج إلا شرا لصاحبها ، كالدابة التي تأكل شر الثمار حتى ينتفخ بطنها من سوء ما تأكل ، وحبط الأعمال أن لا تنتج خيرا لصاحبها ، وأن يكون الجزاء عليها شرا ، وأن تكون نتيجتها سوءا ، فيحاسب اللّه الفاعلين على نياتهم التي طويت في صدورهم وعملوا الأعمال باسم الخير ، وهي للشر ، وأولئك الأشرار يبطل اللّه أعمالهم ويحبطها ، فجزاؤها شرّ في الآخرة بعذاب أليم ، وفي الدنيا بذهاب دولتهم وسلطانهم ؛ لأن الإعراض عن الحق ، ومعاقبة من ينطق بكلمة الحق ، وقتل الذين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، من شأنه أن يفسد الدولة ، وإذا فسدت الجماعة ذهبت القوة ، ولذا قال سبحانه : وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ أي ليس لهم أي ناصر ، فالنفى المستغرق مع تأكيده بمن الزائدة ، يفيد أنه لا يمكن أن يكون لمن يقتل الداعي إلى الخير ناصر مطلقا ؛ لأن الناس لا يثقون به ويتقونه ولا يطمئنون إليه ، ولا يمكن أن يعيش امرؤ هنيئا إلا بثقة من الناس . ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « خير الناس آمرهم بالمعروف ، وأنهاهم عن المنكر ، وأتقاهم لله ، وأوصلهم للرحم » « 1 » . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 23 إلى 25 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 24 ) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 25 )

--> ( 1 ) رواه أحمد : مسند القبائل ( 26165 ) .