محمد أبو زهرة

1158

زهرة التفاسير

ولما ذا قال سبحانه : مِنَ النَّاسِ في قوله : الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ مع أنهم حتما من الناس ؟ والجواب عن ذلك أن هذا للإشارة إلى أنهم ليسوا بأنبياء بل من الناس غير المبعوثين ، وفي قرنهم بالأنبياء ، وإثبات أن الاعتداء عليهم قرين الاعتداء على الأنبياء إشارة إلى بيان منزلتهم ، وأنهم يعملون عمل النبيين وأنهم حقيقة ورثة الأنبياء ، بالقيام بحق هذا الواجب المقدس ؛ فإن لم يقوموا بهذا الواجب فليس لهم من وراثة الأنبياء شئ . وقد ذكر سبحانه عقاب هؤلاء وهو العذاب الأليم ، فقال تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي أن جزاءهم في الآخرة عذاب مؤلم ينزل بهم . وفي هذا الجزء من الآية بحثان لفظيان : أحدهما : دخول الفاء في خبر الذين وهو : فَبَشِّرْهُمْ وقد دخلت الفاء لأن الجملة طلبية ، والجملة الطلبية تحتاج إلى الفاء لتصلح خبرا في كثير من الأحيان ؛ ولأن الاسم الموصول في معنى الشرط ، وخبره في معنى الجواب ، وإذا كان الجواب جملة طلبية فإن الفاء تدخله . والثاني : هو في التعبير بقوله تعالى عن العذاب : فَبَشِّرْهُمْ مع أن البشارة لا تكون إلا في الأخبار السارة ؛ لأن البشارة والبشرى الخبر السارّ الذي تنبسط له بشرة الوجه ؛ والجواب عن ذلك أن هذا التعبير من قبيل التهكم ؛ وذلك لأن هؤلاء الضالين من بني إسرائيل وغيرهم مع أنهم جحدوا ، وفعلوا بالأنبياء ودعاة الحق ما فعلوا ، وكانوا يقولون : نحن أبناء اللّه وأحباؤه ، وأن لهم البشرى بجنسهم لا بعملهم ؛ فاللّه يقول له : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي أن البشرى التي يرتقبونها بسبب المحبة التي يدعونها هي عذاب أليم وليست بنعيم مقيم ، وليس هذا العذاب في الآخرة فقط ، بل إنه في الدنيا بفساد جماعتهم ؛ ولذا قال سبحانه : أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ : الإشارة إلى هؤلاء الذين يحاجون بالباطل ، ولا يسلمون وجوههم لله ، ولا يذعنون للحق ، ويقتلون الأنبياء ، ويقتلون دعاة الحق ؛ هؤلاء بسبب هذه الصفات