محمد أبو زهرة
1522
زهرة التفاسير
على عقائدكم ، وشاهدا بضمائركم ، حتى يعلم بعضكم ما في قلب بعض من طريق الاستدلال ، لا من جهة الوقوف على ذات الصدور والاطلاع عليها فإن ذلك مما استأثر به علم اللّه ) . وإن أولئك المنافقين الذين يتخذون من الهزيمة دليلا على عدم صدق الرسول لكاذبون ؛ لأن اللّه لا يطلع على غيبه أحدا ، وما كان لكم معشر المؤمنين أن تعلموا حقيقة المنافقين وضعاف الإيمان فإن ذلك من الغيب . وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ الغيب ضد المشاهد ، وهو ما غيب عنا مما لا نعلمه بطريق الحس ولا تصل عقولنا المجردة إلى معرفته ، كالعلم بما يكون في المستقبل ، وحقيقة الملائكة وذواتهم ، وغير ذلك مما غيب اللّه عنا علمه ، و « اجتبى » معناها اختار واصطفى ، والمعنى : من شأن اللّه تعالى أن لا يطلع عباده المؤمنين على الغيب من الأمور ، حتى يعرفوا ما يكون لهم في الغد ، بل إنه يغيب المستقبل عنهم ليجدّوا ويجتهدوا ، ويعلموا ، وسيرى اللّه عملهم ورسوله والمؤمنون ، ومع ذلك يصطفى من رسله من يطلعهم على بعض الغيب ، كما كان يطلع رسوله أحيانا على بعض ما يدبر له كاطلاعه على ما دبره اليهود لاغتياله ، وكاطلاعه على من حملت رسالة إلى قريش تخبرهم بسر غزوته لهم ، وكمكاشفته بالوحي لجبريل الأمين ، وهكذا من شؤون الغيب ، ويستفاد من هذا أن اللّه سبحانه وتعالى قد اختص بعلم الغيب ، كما فقال تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ . . . ( 59 ) [ الأنعام ] وأن الأنبياء قد يصطفى اللّه منهم من يعطيه علم بعض المغيبات ، فما يعطيهم يعلمونه ، وإنه لنزر قليل لا يعد شيئا ولقد قال سبحانه على لسان نوح عليه السلام : وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ . . . ( 31 ) [ هود ] ، وقال تعالى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ . . . ( 188 ) [ الأعراف ] . فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ أي إذا علمتم أن اللّه تعالى لا يطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يتعين أن تؤمنوا باللّه