محمد أبو زهرة

1502

زهرة التفاسير

وقد يقول قائل : كل ميت فهو حي بروحه ؛ لأن اللّه تعالى قد بين في محكم آياته أن الموت ليس فناء ، كما قال سبحانه : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ . . . ( 185 ) [ آل عمران ] . وقد بين النبي صلى اللّه عليه وسلم بمخاطبته يوم بدر قتلى المشركين أن أرواحهم تسمع الكلام « 1 » ، فلما ذا إذن اختص الذين قتلوا في سبيل اللّه تعالى بأنهم أحياء ؟ . والجواب أحد أمور ثلاثة : ( أولها ) أن هذا النص الكريم رد على شماتة الذين شمتوا من اليهود ، وتطييب لقلوب الذين فقدوا أحبتهم من المؤمنين ، وتشجيع للذين يحملون السيوف على عواتقهم لجعل كلمة اللّه تعالى هي العليا ، وكلمة الشرك هي السفلى . ( ثانيها ) أن النص الكريم تذكير بحقيقة مقررة ثابتة وهي أن الموت ليس فناء ، في وقت قد غامت فيه على النفوس غيمة من الألم المرير ، وقد كان أقرب المتوفين ذكرا في هذا الوقت هم الشهداء الذين قتلوا في سبيل اللّه تعالى . ( ثالثها ) أن اللّه تعالى قد ذكر لأولئك الشهداء حياة ليست كحياة غيرهم ، بل هي حياة فيها تكريم واستبشار ورزق كريم ، ونعيم وسعادة ورضا بما كان منهم ، وأنهم قد نالوا جزاء كريما بمجرد الاستشهاد ، وأن هذه الحياة السعيدة لا يصح أن يطلق عليها اسم الموت ، وإن كان يصح إطلاقها على غيرهم . وما هذه الحياة التي ينالونها بعد الاستشهاد وما كيفها ؟ وإن كنا لا نشعر بها ولا نراها ، كما قال تعالى : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ( 154 ) [ البقرة ] ؟ . والجواب عن ذلك أنه قد وردت أحاديث كثيرة في هذا الباب تدل على حياة كريمة لهؤلاء الشهداء ، فقد روى مسلم عن مسروق : إنا سألنا عبد اللّه بن عباس عن هذه الآية : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فقال : إنا قد سألنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) رواه بهذا اللفظ مسلم : الإمارة - بيان أن أرواح الشهداء في الجنة ( 1887 ) ، وقد سبق تخريجه .