محمد أبو زهرة

1503

زهرة التفاسير

فقال : « أرواحهم في جوف طير خضر ، لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوى إلى تلك القناديل ، فاطلع عليهم اطلاعه ، فقال : هل تشتهون شيئا ؟ فقالوا : أي شئ نشتهي ، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ؟ ففعل ذلك ثلاث مرات ، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا يا رب نريد أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى ، فلما رأى أن ليس لهم سؤال تركوا » « 1 » . وهذا الحديث يدل على حياة كريمة ، وهي حياة روحية لا جسدية ، وأقصى ما يدل عليه التجسيد هو أنها تكون في طيور خضر ، وأن هذه الآية تشير إلى الجزاء الأوفى الذي يستقبلهم في الحياة الآخرة ، وإلى أن الأرواح بعد الموت إما في شقاء ، وإما في نعيم ، وأن حياة أولئك الشهداء الأطهار في أحسن نعيم ، وأكمله ، ولذا قال سبحانه : عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . في هذا النص الكريم ما يثبت أن حياتهم في هذه الفترة التي تكون بين الاستشهاد والحساب والثواب حياة كريمة سعيدة هنيئة ؛ لأن فيه التصريح بأنهم عند ربهم الذي خلق الكون وخلقهم ، والذي جاهدوا في سبيله ، وقاتلوا وقتلوا ، وإذا كانوا عنده فهم عند من يكرمهم ومن يجازيهم جزاء عاجلا ، حتى يكون الجزاء الأوفى والنعيم المقيم ، عندما تتصل أرواحهم الطاهرة بأجسامهم التي يعيدها اللّه سبحانه وتعالى إليهم في سعادة وحبور . والرزق الذي يرزقهم اللّه تعالى رزق معنوي من سعادة وهناءة ، وطيب مثوى تشعر به أرواحهم ويرون مقدمات جزائهم ، ولا نقول إنه في هذه الفترة مادي ؛ لأن الحياة في هذه الحال حياة أرواح قد انفصلت عن أجسادها ، والرزق حينئذ يكون معنويا ، وإن هذا معنى تقريبي ؛ لأن كل الأحاديث النبوية الواردة في هذه الفترة تشير إلى أن الحياة روحية ، ومن ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه الإمام مالك

--> ( 1 ) رواه بهذا اللفظ مسلم : الإمارة - بيان أرواح الشهداء في الجنة ( 1887 ) ، وقد سبق تخريجه .