محمد أبو زهرة

1498

زهرة التفاسير

الحوادث قد كشفتهم ، وبينت قربهم من الكفر ؛ إذ حرصهم على ألا يظهروا بحقيقتهم جعلهم لا يعلنون كل أمرهم ، ولكن الجزء الذي ظهر ، وإن لم يكن الكل ، دل على حقيقة النفاق الذي يسكن قلوبهم ، وكان مظهرهم به أقرب إلى الكفر ، وأما الوصف الذي وصفهم اللّه سبحانه وتعالى به وهو أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، فتلك طبيعة النفاق دائما فهو ستر للباطن ، وإعلان ما يناقضه ، وقد أظهروا أنهم يريدون مصلحة المسلمين ، وهم يريدون خذلانهم وأظهروا أنهم يقولون الحق عندما كانوا يثبطون المؤمنين ، وهم لا ينطقون بالحق ، ولا يريدونه . ثم ختم اللّه سبحانه النص الكريم بقوله : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ . أي أنهم يخادعون المؤمنين ، ويبدون ما لا يخفون ، ويحسبون أنهم يخادعون اللّه والذين آمنوا ، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ، فاللّه سبحانه وتعالى عليم بالسرائر وما يبيتونه للمؤمنين ، وقد كشف اللّه تعالى بعض شؤونهم ، ليحترس المؤمنون منهم ، ولكيلا ينخدعوا بهم ، ولكي يتجنبوهم في الشدائد حتى لا يحدث لهم بسببهم محنة ، وإن أولئك قد كتموا الرغبة الشديدة في الكيد للنبي وأصحابه ، وأنهم كلما ثار حقدهم على النبي صلى اللّه عليه وسلم ازداد كيدهم ، وما كان يثير حقدهم إلا نصر يؤيد اللّه تعالى به نبيه ، وقد كتموا موالاتهم لأعداء الإسلام من اليهود وغيرهم ، وإن أولئك المنافقين لا يكتفون بتخذيلهم والمعركة قد ابتدأت ، بل يظهرون الشماتة بعد أن وقعت ، لكي يثبطوا المؤمنين عما يكون من قتال من بعد ، وقد حكى اللّه سبحانه وتعالى عنهم ، فقال : الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا في هذا النص قولهم بعد انتهاء الحرب ، وقد قالوه ليبعثوا الريب في جماهير المؤمنين ، وليعلنوا تخلى اللّه عن نصرتهم ، والمعنى : هؤلاء قالوا لإخوانهم الذين هم مثلهم لو أطاعنا المؤمنون ما قتلوا ، فقد دعوناهم إلى العودة إلى المدينة والامتناع عن الخروج ولكنهم خالفونا ، فانتهوا إلى القتل ، فالتقاول كان بين المنافقين أنفسهم ، أو نقول : إن