محمد أبو زهرة
1499
زهرة التفاسير
إخوانهم هم ذوو رحمهم وعشائرهم من المؤمنين الذين استشهدوا في أحد ، والمعنى على هذا أن الذي قالوه لأجل أو في شأن إخوانهم ، فاللام للتعليل وبيان الباعث على القول ، فهم لا يتألمون لإخوانهم وذوى رحمهم ، ولكن يلقون باللوم عليهم . وخلاصة القول : إنهم فرحون بأنهم لم يقتلوا لأنهم لم يخرجوا ، ولائمون لمن خرجوا وقتلوا ، شامتون فيهم ، وهم بهذا يقررون أن موتهم سببه الخروج للقتال ، وقد رد اللّه سبحانه وتعالى ذلك عليهم ببيان أن الموت مكتوب على الإنسان ، وتقدر أسبابه ، فقد يكون قتال ولا موت ، وقد يكون موت من غير قتال ، فقال سبحانه : قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . الفاء هنا هي التي تسمى فاء الإفصاح وهي تفصح عن شرط مقدر ، والمعنى : إذا كنتم تظنون أنكم دفعتم عن أنفسكم الموت بامتناعكم عن الذهاب إلى الميدان وقعودكم في الديار ، فادرءوا أي ادفعوا عن أنفسكم الموت المكتوب الذي لا تفرون منه أبدا وهذا كقوله تعالى : أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ . . . ( 78 ) [ النساء ] والمرمى في هذا النص أنهم يعتقدون أنهم نجوا من الموت بقعودهم ، فهل يعتقدون أنهم نجوا منه نهائيا ؟ . إنه ملاحقهم ، وما دام ملاحقهم وهو حقيقة مقررة يثبتها الحس المستمر ، فلما ذا تفرون من القتال ؟ والتعليق في قوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ لإفادة كذب حسهم ، وكذب قولهم في زعمهم إن القعود سبب للنجاة ، فإن اللّه سبحانه وتعالى يذكر لهم أنهم إن كانوا صادقين في أن القعود سبب للنجاة فليدفعوا عن أنفسهم الموت ؛ لأن الموت لا يدفعه قعود ولا يستعجله خروج ، ولتوضيح هذا الذي نقصده نقول : إن كلام هؤلاء المنافقين ككلام الكافرين الذي حكاه اللّه تعالى آنفا في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ . . . ( 156 ) [ آل عمران ] .