محمد أبو زهرة
1497
زهرة التفاسير
ظاهر المعنى أنهم يوهمون دعاتهم للخروج معهم أنهم لا يعتقدون أن قتالا يقع ، وأن الأمر ينته بغير قتال ، ولكن الزمخشري فسر بغير هذا الظاهر ، فقرر أن المعنى أننا لو نعلم أنكم تخرجون لقتال رتبت أسبابه وأخذ فيه بالاحتياط ، ولكنه زلل ، وإلقاء بالتهلكة ، وكان خيرا أن تبقوا بالمدينة ، حتى يجئ العدو إليكم ، وكأنهم بهذا يرجحون الرأي الأول ، وهو البقاء في المدينة ، ولو بقوا في المدينة لوجدوا السبيل لبث الفتنة بطرق أخرى ، فهم لا يبغون إلا الفتنة ، وذلك لأنهم خرجوا معهم ، ولكنهم قبل أن يصلوا إلى أحد رجعوا فرجع كبيرهم عبد اللّه بن أبي بن سلول في ثلاثمائة ممن على شاكلته ليخذلوا المؤمنين . هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ تضمن ذلك النص حكما على أعمال المنافقين ، وبيانا لحقيقتهم ، فأما الحكم فهو أنهم في هذا اليوم المشهود الجليل الذي ميزهم وعرف بهم - كانوا أقرب إلى الكفر من الإيمان ، وأما الوصف فهو أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم مغررين مظهرين الإيمان ، وكاتمين الكفر ، ويذكرون لبث روح الهزيمة بين المؤمنين أمورا يعرفون كذبها ، وينشرون أراجيف يعلمون بطلانها . والحكم الذي حكم اللّه به عليهم ، وهو أنهم في هذا اليوم ، أقرب للكفر منهم للإيمان ، ظهرت بوادره فقد كانوا يتمنون نصر المشركين ويعملون لبث روح الهزيمة في صفوف المسلمين ، فهم بلا شك كانوا أقرب للكافرين منهم للمؤمنين بإرادة نصر الأولين ، وهزيمة الآخرين ، مع أنهم عشراؤهم وخلطاؤهم ، ومنهم من تربطه ببعض المؤمنين قرابة قريبة فمنهم من كان أبا لبعض المؤمنين أو أخا ، ولكن نفاقهم جعلهم ينسون تلك الوشائج من القربى ، فكانوا يقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل . فالمراد ب « الكفر » أهله ، وكما في قوله تعالى : فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ( 17 ) [ العلق ] ، ويصح أن يقال : إن المراد من قربهم إلى الكفر هو بالنسبة لأقوالهم وأفعالهم ، فأفعالهم وأقوالهم في يوم أحد كانت تدل بظواهرها على قربهم إلى الكفر وبعدهم عن الإيمان ، وإن كانت لا تدل على كل حقيقتهم ؛ وذلك لأن تلك