محمد أبو زهرة
1475
زهرة التفاسير
القلب ، وهذا هو الذي يتفق مع صفات النبوة والقيادة الحكيمة الرشيدة الهادية الموجهة إلى أمثل الطرق الجامعة للقلوب ، لأنك لو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك . والفظاظة خشونة المظهر ، والعشرة السّيّئة ، وسوء القول ، وتجهّم الوجه ؛ وغلظ القلب قسوته ، وقد نفى اللّه سبحانه وتعالى عن نبيه الغلظة في المظهر والباطن ، فالغلظة في المظهر هي الفظاظة ، والغلظة في الباطن قسوة القلب وكلا الوضعين من شأنه أن ينفر ، ولقد قال اللّه تعالى في وصف نبيه : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 128 ) [ التوبة ] . وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم باشا لطيف المعشر متسامحا رحيما لا يقسو ولا يعنّت أحدا ولا يغضب ولا يسب ، وما ضرب أحدا بيده قط ، وكان سهلا في معاملاته متسامحا ، وكان طلق الوجه دائما ، رآه أعرابي ، فاسترعاه بشاشته وطلق محياه فقال له : أأنت الذي تقول عنه قريش إنه كذاب ؟ واللّه ما هذا الوجه بوجه كذاب ! . وأسلم إذ دعاه النبي صلى اللّه عليه وسلم . ولقد وصف عبد اللّه بن عمرو بن العاص النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : ( إنه ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزى السيئة بمثلها ، ولكن يعفو ويصفح ) « 1 » . وكان عليه الصلاة والسلام لا يثير غيظه شئ ، ويدارى الناس إلا أن يكون في المداراة حق مضيع ، ولقد روت عائشة رضى اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض » « 2 » . وإذا كانت الغلظة منفرة فالعفو جامع ، ولذلك أمر اللّه تعالى نبيه الكريم بما يترتب على الرفق والبشاشة ، وهو العفو فقال : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ .
--> ( 1 ) رواه بنحوه البخاري : تفسير القرآن - إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * ( 4461 ) ، والدارمي : المقدمة - صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم ( 6 ) ، وأحمد مسند المكثرين ( 6333 ) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه . ( 2 ) جمع الجوامع ( 4713 ) ، والسلسلة الضعيفة للألباني ( 810 ) ، والفتح الكبير ج 1 ، ص 269 ، وكنز العمال جزء 1 ، ص 510 .