محمد أبو زهرة
1476
زهرة التفاسير
الفاء هنا تفيد ترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي أنه يترتب على اتصافك بالعفو والرحمة والبشاشة ، والبعد عن الفظاظة وغلظ القلب أن تكون عفوا ، ولذا أمره سبحانه بالعفو عن المخالفة التي وقعوا فيها ، وترتب عليها ما ترتب من هزيمة وفوات فرصة ، وإن العفو في هذه الحال ليس للرحمة فقط ، بل هو للمصلحة أيضا ؛ لأنه يشحذ العزائم ، إذ هو يقيل من العثرة ، ويرفع من الكبوة ، وعندئذ تستقيم القلوب نحو الحق ، كما قامت الأجسام بعد الوقوع . وأمره سبحانه بأن يستغفر لهم ، بأن يطلب من اللّه أن يغفر لهم ما أساءوا ، وأن يغفر هو لهم هذا الخطأ ، وإن في استغفاره اللّه تعالى لهم ، وإعلانه ذلك الاستغفار بينهم تأكيدا لعفوه ، وتشجيعا ، وضراعة إليه سبحانه أن يجعل حاضرهم وقابلهم خيرا من ماضيهم الذي أخطئوا فيه . وقد أمر نبيه بأمر ثالث ، وهو أن يشاورهم ، وإن المشاورة من بعد ما كان منهم دليل على عفو النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد عفو اللّه تعالى وغفرانه ؛ لأن مما أخطئوا فيه في الماضي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم شاورهم في أمر الخروج إلى لقاء المشركين في أحد ، وأنه كان يميل إلى البقاء حتى يدخلوا المدينة ، وشبابهم كان يريد الخروج ، فنزل عليه الصلاة والسلام عند رأيهم ، ثم كان ما كان منهم من أن طائفتين همّتا بأن تفشلا ، ثم ما كان من خروج الرماة عن مواقفهم ، ولو بقوا في المدينة ما وقع هذا ، ولكن اللّه سبحانه مع ذلك أمره بمشاورتهم للإعلان عن سماحته المطلقة ، ولأن المشاورة إن أخطأت فيها النتيجة مرة ، فصوابها كثير . والشورى أصل من أصول الحكم في الإسلام ، قد التزمها النبي صلى اللّه عليه وسلم في كل أمر كان يمس أمور المسلمين العامة فقد استشار في غزوة بدر قبل وقوعها ، واستشار في الأسارى غبّ وقوعها ، واستشار في أحد ، واستشار في غزوة الأحزاب ، وكان من نتائج الشورى حفر الخندق والتحصن وراءه ، واستشار في القتال يوم الحديبية ، والتزم أبو بكر ومن بعده عمر الشورى ، وما اضطرب حبل الأمور من بعد إلا عندما منعت أمر الشورى .