محمد أبو زهرة
1474
زهرة التفاسير
ولذا قال تعالى في حال النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وما انبعث منه في موقفه يوم أحد ، فقال تعالت كلماته : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ . « الباء » هنا باء السببية ، و « ما » زائدة في الإعراب ، ولكنها في المعنى لتقوية معنى الرحمة ، والمعنى : بسبب رحمة أي رحمة عظيمة فياضة أفاضها المولى العلى القدير كنت ليّنا معهم في كل أحوالك ، وكنت لينا لهم بعد الأخطاء التي وقعوا فيها ، والكارثة التي نتجت عن مخالفتك ، فما لمتهم ، ولا عنّفتهم بل سكتّ حيث رأيت ما أصابهم من غم استغرقهم ، وحزن استولى عليهم ، ولقد شكر اللّه سبحانه وتعالى لنبيه ذلك اللين ؛ إذ لم يؤاخذهم ، ولم يفرط في القول معهم ؛ لأن اللوم على الماضي ييئس النفس من غير جدوى ، وهو رجعة إلى الوراء ، والقائد الحكيم يتجه إلى الأمام ، ولا يلتفت إلى ورائه إلا بمقدار ما ينير له السبيل أمامه ، وبمقدار ما يجنبه خطأ وقع فيه ، وبمقدار ما يحفز همة من معه ، ويشحذ عزيمتهم ، وإن المبالغة في اللوم على ما وقع في الماضي يلقى باليأس ، وفي اليأس الهزيمة ، واليأس والقنوط إسراف على النفس بالهموم ، ولا نجاح لمن في هم دائم ، وحزن واصب ، فكان لين النبي صلى اللّه عليه وسلم معهم في هذه الآلام التي أصابتهم كالبلسم الشافي لأسقامهم ، والقائد الماهر الحكيم يجب أن يجمع إلى العزيمة القوية الموجهة إلى العمل البشر ولين العريكة ، وتسهيل الخروج من أوضار الخطأ ، حتى لا يعنتهم ولا يبهظهم « 1 » ، وحسبهم ما أصابهم ، وإن الشدة في مثل هذه الأحوال والغلظة في القول والعمل تنفر ولا تجمع ، وقد بين ذلك سبحانه وتعالى بقوله : وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ . وهذا النص الكريم يثبت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ليس فظا ولا غليظا ولا قاسيا ؛ لأن ( لو ) تدل على نفى الجواب لنفى الشرط ، والمعنى أنك لست فظا ولا غليظ
--> ( 1 ) بهظه الحمل : أثقله وعجز عنه ، فهو مبهوظ ، وأمر باهظ : أي شاق . الصحاح - بهظ .