محمد أبو زهرة

1472

زهرة التفاسير

بالمغفرة من رضوان اللّه تعالى ، فإن اللّه تعالى لا يغفر إلا لمن يرضى عنه ، ويذهب عنه سخطه سبحانه وتعالى ، ففي الوعد بالمغفرة نعمة الغفران ، ونعمة الرضوان ، وهو أكبر . الأمر الثاني - الرحمة من اللّه تعالى ، ورحمة اللّه تعالى تتضمن الثواب ، والنعيم المقيم يوم القيامة ، وذكر رحمة اللّه تعالى في هذا المقام لكيلا تذهب نفوس المؤمنين حسرة على ما ماتوا منهم ، فإنهم ليسوا في شقاء بل هم في نعيم ، وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) [ آل عمران ] . وهنا بحوث ثلاثة حول هذا النص الكريم : أولها : أنه سبحانه وتعالى صرح بأن مغفرته ورحمته خير مما يجمع المشركون من أموال وعقار وكل أغراض الدنيا ، ويقول ابن عباس فيما روى عنه من تفسير : ( خير من طلائع الأرض ذهبة حمراء ) أي خير من ملء الأرض ذهب أحمر ، و « خير » أفعل تفضيل ، وهو هنا ليس على بابه فإن الخيرية في مغفرة اللّه تعالى ، ولا خيرية فيما يكنزون ، فإنها تكوى بها جباههم وجنوبهم ، أو تقول أفعل التفضيل على بابه ، ويكون المراد من الخير مطلق النفع ، ولا شك أن رحمة اللّه ومغفرته أنفع لأنهما أبقى . ثانيها : أنه ذكر أن الموت قد يكون في سبيل اللّه وذلك إذا كان المؤمن يعيش طول حياته مخلصا للّه وللحق وللمعرفة والهداية يحب الشئ لا يحبه إلا للّه تعالى ، وكان اللّه ورسوله أحب إليه من نفسه ، فإن من يكون كذلك يعيش للّه وفي سبيل اللّه ويموت في سبيل اللّه . ثالثها : أنه قدم ( قُتِلْتُمْ ) في هذا المقام لأنه المناسب ؛ لأن الكلام الكريم في أعقاب مقتلة أصابت المسلمين وأصابهم هم بسببها فناسب تقديم ( قُتِلْتُمْ ) على ( مُتُّمْ ) وإن الخطاب هنا للمؤمنين الذين جاهدوا ، وهو مبين لجزائهم وقال سبحانه : وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ .