محمد أبو زهرة

1466

زهرة التفاسير

فريقين : أحدهما الذين أقبلوا على الغنيمة وتركوا مواقعهم من الرماية فأولئك بتركهم مواقعهم وإقبالهم على الغنيمة كانوا مدبرين يشبهون الفارين ( والفريق الثاني ) الذين فروا من القتال يوم أن اضطربت الموقعة وأصيب المؤمنون بجراح ، وكانت فيهم مقتلتهم . وقد ذكر سبحانه السبب فقال تعالى : إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ومعنى استزلهم الشيطان طلب لهم الزلل وسهله لهم ببعض ما كسبوا من صغائر ؛ فإن تضافر الصغائر ، وطلب الدنيا من شأنه أن يسهل ارتكاب الخطايا فإن النفس تمرد عليها « 1 » وتسير في طريقها ، ولقد قال في ذلك الراغب الأصفهاني : استزله إذا تحرى زلته . وقوله تعالى : إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ أي استخرجهم حتى زلوا فإن الخطيئة الصغيرة إذا ترخص الإنسان فيها تصير مسهلة لسبيل الشيطان على نفسه ، ومعنى هذا أن الشيطان لا يفتح معاقل النفس ، ويغزو مواضع الفضيلة ، إلا بالصغائر التي تسهل الرذائل ، فإذا فتح النفس من هذا المعقل هجم بكل أسلحته ، فتحكم الهوى والشيطان واستضعفت النفس وذلت ، وأحاطت بها الخطايا ، وسدت عنها منافذ الهداية والنور . والمعنى الجملي أن أولئك الذين كانوا سبب تلك الجراح أو فروا من الموقعة قد وقعوا فيما وقعوا فيه بسبب أن نفوسهم لم تتجه إلى اللّه بكليتها ولهذا استزلهم الشيطان ، وأمامهم الفرصة لتطهير نفوسهم ، وقد أعلن سبحانه العفو عنهم فقال : وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ . وقد أكد سبحانه عفوه بأربعة تأكيدات أولها : باللام فهي تنبئ عن القسم ، والثاني : قد ، فإنها تفيد تأكيد تحقق القول ، والثالث : وصف اللّه تعالى بالمغفرة فإنه يؤكد أن العفو شأن في شؤونه سبحانه ، والرابع : الوصف بالحلم فإنه سبحانه لا يسارع بالعقاب : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ . . . ( 45 ) [ فاطر ] .

--> ( 1 ) المرود على الشيء : المرون عليه . الصّحاح . ومنه قوله تعالى في سورة التوبة ( 101 ) : مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ أي مرنوا عليه وأقاموا فلم يتوبوا .