محمد أبو زهرة

1465

زهرة التفاسير

بوضرها « 1 » ويوجهها نحو الخير ، ومعنى يمحص قلوبكم ، يزيل ما عساه يعلق بها من أدران ، ويطهرها مما يخالطها من ريب يحدث من الشدائد ؛ وذلك لأن محص ومحّص في أصل معناهما تخليص الذهب مما يختلط به من مواد غريبة عنه . وخلاصة معنى النص الكريم : نزل بكم ما نزل لتتعودوا تحمل الشدائد والمحن ، وليظهر اللّه ما في صدوركم فيصلحها ، ويخرج من قلوبكم ما يخالط الإيمان من بعض الأوهام . وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ وهو إذ يفعل ذلك يعلم بما في صدوركم ، يعلم ما يخالطها وما توسوس به ويعلم مواضع أدوائها ، وما تنطوى عليه نفوس الأبرار الأقوياء ، ونفوس الضعفاء ونفوس الأشرار ، وقد أكد سبحانه وتعالى علمه بخفايا النفوس ، بثلاثة تأكيدات : التأكيد الأول - التعبير بالجملة الاسمية ، والثاني - التعبير بوصف عليم ، فهو يعلم صغائر الأمور وجليلها ، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، والثالث - التعبير بذات الصدور ، فهذا من قبيل ما يشبه التأكيد المعنوي ، فمعناه يعلم الصدور ذاتها ، فلا يقتصر علمه على ما في الوعاء ، بل يعلم الوعاء ذاته ، ولقد فتح اللّه سبحانه وتعالى باب التوبة بعد ذكر بيان السبب في الذنب ، فقال تعالت كلماته : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا . التولي يستعمل بمعنى الإقبال وبمعنى الإدبار ، فإن كان متعديا بنفسه كان بمعنى الإقبال ، ومن ذلك قوله تعالى : وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا . . . ( 56 ) [ المائدة ] ، و يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . . . ( 13 ) [ الممتحنة ] وإذا كانت متعدية ب « عن » أو غير متعدية أصلا كانت بمعنى الإعراض ومنه الإدبار عن الزحف والأمر في وقته ، وهي هنا لذلك ، والتولي الذي وقع فيه أولئك الذين ذكرهم سبحانه يوم التقى الجمعان كان في أحد ويشمل

--> ( 1 ) الوضر ، محرّكة : وسخ الدّسم واللّبن ، أو غسالة السّقاء والقصعة ونحوهما ، وما تشمّه من ريح تجدها من طعام فاسد . [ القاموس المحيط - فصل الواو - وضر ] . والمقصود هنا آثار الذنوب والأوزار .