محمد أبو زهرة

1462

زهرة التفاسير

وإن المرء إذا لم يكن له تفكير إلا في نفسه ، ولا يهمه شئ سواها ، أضفى عليها المعاذير إذا قصرت ، وجعل السبب من غيرها لا منها ، ومن هنا يجئ الوصف الثاني ، وهو يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ والظن هنا ليس هو الاعتقاد الجازم ، بل هو الوهم الملازم للضعف ، المسيطر على النفس ، وقوله غَيْرَ الْحَقِّ مفعول مطلق وصف لمصدر محذوف ، والمعنى يظنون ويتوهمون باللّه ظنا ليس هو الحق ، ولا الذي يجب أن يظن باللّه تعالى ، وهو العدل والمعاونة الصادقة ، والتأييد عند الثبات ، وقد بين سبحانه وتعالى ذلك الظن غير الحق والذي لا ينبغي أن يظن باللّه تعالى ، بينه بطريق عطف البيان ، أو البدل المبين فقال : ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ وشأن أهل الجاهلية أن يطرحوا عن أنفسهم التبعات ، ويدعوا ألا مسؤولية عليهم ، وأن الأمر للمقادير وحدها إذ كانت النتيجة على غير ما يبغون . ولذا قال سبحانه في تفسير ظن الجاهلية : يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ . هذا القول هو مظهر الظن الباطل الذي ظنوه باللّه سبحانه وتعالى : والاستفهام هنا استفهام إنكاري بمعنى النفي المطلق الشامل ، والمعنى : ليس لنا من الأمر شئ أي شئ ، فلسنا مسئولين عن الهزيمة إن انهزمنا ، إنما الأمر كله للّه تعالى ، فأمر النصر والهزيمة بيده ، وقد وعدنا بالنصر ولم ننتصر ، فهم يلقون عن أنفسهم كل تبعة وكل مسؤولية . وإن هذا إنكار للأسباب ، وظن جاهلي ؛ لأن الجاهلي إذا انتصر فرح وأشر وبطر ، وأصابته عزة النصر غير ملتفت إلى إرادة غير إرادته ، وإن أصابته كارثة حسبها من المقادير ملقيا عن نفسه كل تبعة ، وقد رد سبحانه وتعالى وهمهم بأن أمر النبي بقوله : قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ أي أن تقدير الأمور كلها للّه سبحانه وتعالى ، لا أمر النصر والهزيمة ، فكل شيء عنده بمقدار ، ولكنه سبحانه وتعالى خلق كل شئ بحكمته ومشيئته وإرادته وحده ، وهو الذي قدر الأسباب ومسبباتها ، وربط بين الأفعال ونتائجها ، فمن اختلفوا ولم يطيعوا