محمد أبو زهرة
1463
زهرة التفاسير
قائدهم ، وأقدموا على الغنائم في غير الوقت المعلوم فلا بد أن يحدث عن فعلهم الهزيمة والاضطراب ، لأن هذا هو النظام الذي سنه رب البرية في الارتباط بين الأسباب ومسبباتها ، فكون الأمر كله للّه لا ينفى عنكم التبعة ، بل يؤكدها وقوله تعالى : قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ جملة سامية معترضة بين متلازمين ، وهو قولهم : هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ وقوله تعالى من بعد ذلك : يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا . ظاهر الجملة السابقة أنهم يلقون عن أنفسهم التبعة بتقرير أن أمر النصر بيد اللّه تعالى ، وأنه قد حرمهم منه ، وفي هذه الجملة يبين اللّه سبحانه وتعالى أن لهم غاية يقصدون إليها من وراء هذه الجملة ، وهو إثبات أن الذي كان سبب قتلهم ووقوع الهزيمة عليهم هو خروجهم إلى هذا المكان ، ولو بقوا في أماكنهم بالمدينة ما قتلوا ، وكان في ذلك إشارة إلى ما كان من خلاف عند مجىء المشركين إلى المدينة أيخرج المؤمنون إليهم ليقاتلوهم في أحد أم يبقون في المدينة حتى يقاتلوهم في الأزقة ومن وراء الجدران فلا يبقوا منهم أحدا ، وأن الذي اختارته الكثرة هو الخروج ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم نزل على حكمها وإن كان يرى غيره . إلى آخر ما كان في هذه المشاورة ، وعلى هذا تكون خلاصة المعنى : يخفون بقولهم هل لنا من الأمر من شئ أمرا لا يريدون إبداءه ، وهو أنهم لو كان لهم رأى يطاع ، وقول يسمع ما خرجوا إلى هذا المكان وقتلوا فيه ، بل بقوا في ديارهم آمنين ، ولكنه أمر اللّه تعالى وتقديره ، وتطوى هذه الجملة الإشارة إلى أمرين : أحدهما - أنهم ما كانوا يريدون القتال ، ولكنه قدر اللّه وأمره لهم ، وهذا يذكر بقوله تعالى : إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما . . . ( 122 ) [ آل عمران ] . والأمر الثاني الذي يشير إليه النص - أنهم ما كانوا يرون الخروج من المدينة للقتال ؛ بل ينتظرون حتى يجئ إليهم الأعداء ، وأنه لو كان لهم شأن ما خرجوا وما قاتلوا . وهم في كلتا الحالين يلقون تبعة الهزيمة عن أنفسهم ، ويشيرون إلى أن الخروج لم يكن رأيا حسنا ، ولكنه قضاء اللّه وقدره جعلهم يقعون في هذا الخطأ .