محمد أبو زهرة
1455
زهرة التفاسير
النصر والغنيمة معا ، فإنه لا غنيمة إلا بالنصر المستقر ، ولا نصر إلا بالتزام خطة القائد الرشيد ، ومنكم أيها المجاهدون من يريد الآخرة ، وهم أنتم الذين ضبطوا أنفسهم عن الغنيمة ، ولم يعصوا ما أمر به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولو ذهبت الغنائم ، وأنتم الذين صبرتم في فتنة الهزيمة العارضة بعد أن اضطربت القلوب وأرجف المرجفون ، وتنادى الكاذبون بأن محمدا قد مات ، فقد صبرتم وصابرتم ، وجاهدتم ونازلتم في الشديدة ، والقوى حقا من يملك نفسه عندما تضطرب النفس ، ويثبت عندما تكون دواعي الهزيمة ، وأولئك أرادوا الآخرة ؛ لأنهم ما طلبوا غنيمة ، وكان ثباتهم في وقت الفزع دليلا على امتلاء قلوبهم بالإيمان باللّه واليوم الآخر . وهنا بحث لفظي يثيره العلماء ، وموضوعه ( إذا ) في قوله تعالى : حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ . فقد ذكر الزمخشري وغيره أن فيها وجهين : أحدهما - أن تكون « حتى » بمعنى « إلى » ، وأن تكون ( إذا ) لمجرد الوقت أي أن النصر كان حليفكم تقتلون فيه القتل الذريع ، إلى وقت أن فشلتم وتنازعتم في الأمر . والوجه الثاني أن تكون شرطية ، وجواب الشرط محذوف ، وإن كان مفهوما أنه شر لا خير فيه ، وضرر لا نفع معه ؛ لأن ما يكون مقدمه عجزا واضطرابا نفسيا وتنازعا في أمر ، ثم عصيانا يترتب عليه عدم تنفيذ خطة القائد الحكيم - لا يكون التالي المترتب عليه خيرا قط ، ولم يذكر لتذهب فيه العقول كل مذهب ، وللإشارة إلى أنه شر عظيم لا يكتنه كنهه ، ولا يتصورون حقيقته . وإنه كان من نتائج ذلك الضرر أنكم لم تنالوا بغيتكم من المشركين ، ولذا قال تعالى : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ . أي النتيجة التي صرتم إليها غير المقصد الذي قصدتم إليه ، لقد خرجتم إليهم من مدينتكم لتقتلوهم وتنالوا منهم ما نلتموه في بدر ، ولم تريدوا أن تكونوا في المدينة يأتون إليكم ، بل أردتم أن تواجهوهم في الميدان لا في الأزقة وبين الجدران ، ولكن بسبب ذلك العصيان من بعضكم صرفكم اللّه عنهم ، أي انصرفتم عنهم بإرادة اللّه تعالى ، ورضيتم أن تعودوا مقهورين ، وقد خرجتم لتعودوا