محمد أبو زهرة

1456

زهرة التفاسير

منصورين بتأييد اللّه ، ولتفاوت ما بين المقصد الأصلي ، والنتيجة التي انتهوا إليها بسبب هذا الخطأ الجزئي - عطف سبحانه وتعالى ب « ثم » بدل الواو أو الفاء . وكان التعبير بكلمة ( صرفكم ) بدل ( هزمتم ) لأن ما حدث في أحد لم يكن هزيمة ، وإن لم يكن نصرا ؛ لأن الهزيمة تقتضى أن يولى المسلمون الأدبار ، وأن يتحكم الأعداء ، وليس ما حدث أكثر من أن القتلى في المؤمنين كانوا أكثر من القتلى في المشركين ، ولم ينل المشركون بذلك مأربا ، فكأن اللّه سبحانه وتعالى يشير لهم بأن ما حدث لا يصح أن تبتئسوا له ، ولا يصيبكم الحزن ؛ لأنه ليس هزيمة ، بل هو نوع من الصرف عن الغاية التي من أجلها خرجتم . وكان هذا لا بد منه ليمحص قلوبكم ، وليختبركم بالشدائد التي تصقل نفوسكم ، وتجعلها مستعدة لما يأتي به القدر ، ولبيان أن الطاعة للقائد الحكيم هي أساس الظفر ، والعصيان سبب للاندحار . وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ في هذا النص السامي يبين سبحانه عفو اللّه تعالى ليرفع من نفوسهم ، ويذهب الحسرة من قلوبهم ، ويحيى موات العزة التي اختفت في وسط ذلك المضطرب ، ولقد أكد سبحانه وتعالى عفوه بعدة تأكيدات أولها : بالتعبير ب « قد » ، فإنها للتحقيق ، واستعمالها في أكثر آي القرآن للتحقيق ، وثانيها : باللام . وثالثها : بالتعبير بالماضي . ولما ذا أكد سبحانه وتعالى عفوه بهذا التأكيد ؟ لأن أولئك الأبرار الذين أخلصوا دينهم للّه تعالى قد تجسم في نفوسهم خطؤهم ، حتى توهموا أنه غير قابل للغفران ، فإن المؤمن التقى يستكثر هفوته ، ويستصغر حسنته ؛ لأنه يحس بحق اللّه تعالى عليه ، ووجوب شكر النعم التي أنعم بها ، وبمقدار قوة الإيمان يغلب المؤمن خوف العقاب على رجاء الثواب . ولقد ذيل سبحانه الآية بقوله تعالى : وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لبيان فضل اللّه تعالى العميم على عباده المؤمنين ، فكل شئ بفضله ، فنصرهم في بدر بفضل منه ، ونصرهم في الابتداء في أحد كان بفضل منه ، وخذلانهم بفشلهم