محمد أبو زهرة
1454
زهرة التفاسير
ظهروا علينا فلا تعينونا عليهم » فلما التقى القوم وهزمهم المسلمون حتى نظرنا إلى النساء يشتددن في الجبل « 1 » وقد رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فجعلوا ( أي ناس من الرماة ) يقولون : الغنيمة الغنيمة ، فقال لهم عبد اللّه : أمهلوا أما عهد إليكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ألا تبرحوا ؟ فانطلقوا ، فلما أتوهم صرف اللّه وجوههم وقتل من المسلمين سبعون رجلا » « 2 » . وإن الرماة لم يذهبوا جميعا إلى الغنائم يجمعونها ، بل بقي منهم عدد قليل ، قيل إنهم عشرة ، ولكن نسب العصيان إليهم جميعا ، بل نسب إلى الجيش كله ، مع أن غير الرماة كانوا الفريسة لعصيان كثرة الرماة ؛ وذلك لأن ما يعم أثره ينسب إلى الجميع ، باعتبار ذلك الأثر ، وأنهم جميعا كان عليهم أن يتواصوا بالطاعة المطلقة للقائد الخبير ، وذلك كقوله تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً . . . ( 25 ) [ الأنفال ] فعلى كل جماعة أن تتضافر في منع ما يضر أثره بها كلها ، لا بالظالمين فقط منها ، وإن إثم الآثمين في الجماعات والأمم ، ينشأ من سكوت أهل الحق والعدل ، ويعيش في ظل صمتهم ، ولذلك ينسب العصيان إلى الجميع ، ولقد بين سبحانه أن العصيان وإن نسب إلى الجميع كان فيهم من أراد الحق ، وفيهم من أراد الدنيا من غير طريقها ، فقال سبحانه : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ . هذا تفصيل للتنازع الذي كان بين الرماة ، وما كان في الجيش نفسه ، وهو خطاب لجمهور الذين اتبعوا النبي صلى اللّه عليه وسلم . . منكم أيها المحاربون من يريد الدنيا بإرادة الغنائم ، والقصد إليها ، وقد غلبته على نفسه حتى نسي الطاعة الواجبة والخطة المرسومة ، وهو إذ يطلب الدنيا في هذا المقام ، إنما يطلبها بغير الأخذ في أسبابها الحقيقية التي توصل إلى الغاية فيها ، ولذلك ذهب طمعهم بالغنيمة والنصر معا ، ولو صبروا حتى سارت الحرب في طريقها ، والخطة إلى غاياتها ، لنالوا
--> ( 1 ) قال المصنف رحمه الله تعالى : يسرن مسرعات بشدة من الفزع . ( 2 ) رواه البخاري : المغازي - غزوة أحد ( 3737 ) عن البراء رضي اللّه عنه .