محمد أبو زهرة
1453
زهرة التفاسير
قد أوقع اللّه سبحانه وتعالى الأمر في الوجود ، كما وعدكم ، بروح منه ، ولكنكم أنتم الذين لم تلتزموا الجادة ، ولم تكونوا ناصرين اللّه تعالى في المعركة كلها ؛ إذ لم يكن قتالكم للّه تعالى في هذه المعركة من مبتدئها إلى انتهائها ، ولم تضبطوا أنفسكم ، وإن وعد اللّه تعالى لكم بتأييد الملائكة ، وهي الأرواح الطاهرة المطهرة ، كان مقيدا بالصبر النفسي ، ولم تصبروا أنفسكم وبين سبحانه وتعالى وقت النصر ، وهو وقت ابتداء الحرب ، فقال سبحانه : إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ومعنى تحسونهم أي تصيبون حسّهم بإزالته ، وذلك يكون بقتله ، فمعنى حسّه أصاب حسه ، مثل كبده أصاب كبده ، وفأده أصاب فؤاده ، وشغفه أصاب شغاف قلبه ، ولقد قال في ذلك الأصفهاني : « حسست ، وحسيت ، وأحسست ) يقال على وجهين : أحدهما - يقال أصبته بحسى ( أي أدركته بإحساسى ، ومنه شئ محسوس ) والثاني - أصبت حاسته نحو كبدته ، وفأدته ، ولما كان ذلك قد يتولد عنه القتل عبر به عن القتل ، فقيل : ( حسسته أي قتلته ) . والمعنى كان وعد اللّه صادقا كل الصدق عندما كنتم تقتلونهم بإذنه ، مؤيدين منصورين ، ومعنى الإذن هنا يتضمن معنى التأييد والتقوية والتثبيت ، ولكنكم أنتم الذين أبعدتم أنفسكم عن نصر اللّه تعالى ، وأشار إلى ذلك سبحانه بقوله : حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ أي حتى إذا ضعفت نفوسكم وعجزتم عن مقاومة أهوائكم ، وتنازعتم فيما بينكم أنتبع الغنائم نجمعها ، أم نطيع الرسول ؟ وانته أكثركم إلى العصيان من بعد ما أراكم اللّه - تعالى - ما تحبون من نصر مؤزر ثابت أو من غنائم تحبونها ، وتهواها أنفسكم . وهذا يفيد أن الترتيب النفسي يتفق مع الترتيب في الذكر ؛ وذلك لأن الفشل ، ومعناه العجز النفسي عن الصبر والاحتمال ، ترتب عليه التنازع وعصيان الرسول ، ولا بد أن نذكر هنا بعض ما روى عن ذلك في غزوة أحد ، فقد روى البخاري عن البراء بن عازب : « لما كان يوم أحد ، ولقينا المشركين أجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أناسا من الرماة ، وأمّر عليهم عبد اللّه بن جبير ، وقال لهم : « لا تبرحوا مكانكم ، وإن رأيتموهم قد