محمد أبو زهرة
1149
زهرة التفاسير
بالمعنى الذي ذكرناه ، لأنه له ذلك الشرف الإضافى ، وهو أن اللّه لا يقبل غيره ، فوق أنه الحق الخالص من شوائب الشرك . والإضافة فوق ذلك تفيد أنه الدين الذي نزل على كل النبيين ، وأنه الأصل في كل شرائع السماء ؛ ولذلك قال اللّه سبحانه وتعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى . . . ( 13 ) [ الشورى ] فهو دين اللّه ، وقد صرح سبحانه بأنه دين أبى الخليقة الثاني نوح كما يعبر بعض القصصيين ، ودين آخر الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام . وعلى هذا فدين جميع النبيين دين واحد ، وهو دين اللّه ، وهو دين الإسلام . وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وعلى هذا كانت شريعة اللّه واحدة ، وإن اختلفت الديانات السماوية التي لم يجر فيها التحريف والتبديل ، فإن ذلك لا يكون في الأصل ، بل يكون في الفرع ، ولا يكون في الكليات ، بل يكون في الجزئيات ولكن لوحظ مع ذلك أن كثيرين من أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم ، فقالت اليهود ليست النصارى على شئ ، وقالت النصارى ليست اليهود على شئ ، واختلفت كل طائفة فيما بينهم على فرق ، كل واحدة تحسب أنها اختصت بالخلاص وحدها ، وتكفر الأخرى أو تشلحها من حظيرة الإيمان المقدسة ؛ ثم اختلفوا مجتمعين على المسلمين ، ونابذوهم العداوة ، وقد كانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ، فكانت هذه المنابذة عن بينة ، ولم تكن عن جهل ، بل إنهم يعرفون النبي كما يعرفون أبناءهم ، ولم يؤمن بالحق كثيرون في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ ولذا قال اللّه سبحانه وتعالى فيهم : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ( 66 ) [ المائدة ] وقد بين سبحانه أن سبب ذلك الاختلاف هو البغى والظلم ؛ ولذا قال سبحانه وتعالى : وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فالسبب هو البغى فيما بينهم ؛ لأنهم قد بغى بعضهم على بعض بالباطل ، وتبادلوا ذلك البغى ، كل يبغى على غيره ، 19 وإذا تبادل قوم الباطل ضعف في نفوسهم الإيمان ، فإن شدة الخصومة تورث