محمد أبو زهرة

1150

زهرة التفاسير

الريب ، ومع الريب يكون النفاق ، والمنافق لا يؤمن بشيء ولقد قال الإمام جعفر الصادق : « إياكم والخصومة في الدين ، فإنها تحدث الريب وتورث النفاق » فتبادل البغى فيما بينهم كما قال سبحانه وتعالى : بَغْياً بَيْنَهُمْ كان سببا في عدم إيمانهم بالحق ، بل في عدم إيمانهم بشيء وإن كانوا يعلمونه ويفهمونه ، فليس مصدر الإيمان العلم فقط ، بل مصدر الإيمان علم وإخلاص في طلب الحق ، وإذعان له إذا بدا نوره . ولما ذا قدم سبحانه وتعالى كلمة إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ إذ إن السياق هكذا : وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم ، فقدم حينئذ المستثنى على بعض المستثنى منه ؟ والجواب عن ذلك : أن هذا البيان موضع التوبيخ والاستنكار ؛ إذ إن ذلك الاختلاف ما كان عن تعذر العلم بالحقائق ، ولكنه كان مع أن العلم بها قد جاءهم ، وكان في قدرتهم أن يصلوا إلى الحق في الأمر من غير اختلاف ولا نزاع ولا إثارة للشك ، وكيف يختلفون مع أن العلم قد جاءهم ، وكان بين أيديهم أن يعرفوا السائغ منه ، والحق أن العلم كالنور لا ينتفع فيه إلا الذين أوتوا بصرا يميزون به وينظرون ، وكذلك لا بد لإدراك العلم من بصيرة نافذة ، وقلب يخضع للحق ؛ أما إذا كانت البصيرة غير نافذة ، والقلب قد ران اللّه عليه ، فإنه لا يدرك ، وإن كسب السيئات يضع غلافا على القلب يمنعه من إدراك الحق ؛ ولذا قال سبحانه وتعالى في شأن الضالين : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 ) [ المطففين ] فأسباب العلم لا تكفى للوصول إلى الحقائق ، بل لا بد معها من قلب منير ، والذين أوتوا الكتاب لم يكن أكثرهم على ذلك من الإخلاص في طلب الحقيقة والإذعان لحكمها ؛ ذلك لأن الشهوات تحكمت في قلوبهم واستولت على نفوسهم ، فجعلتهم يبتغون الباطل ، ويطلبونه طلبا شديدا ؛ ولهذا جعل الاختلاف مع وجود العلم أساسه البغى فيما بينهم ، إذ إنهم يبتغون بالأمر السيطرة والسلطان واحتيازا للسيطرة الدينية ؛ ولذا قال : بَغْياً بَيْنَهُمْ أي ظلما وتحاسدا ، وتغالبا بالباطل بينهم .