محمد أبو زهرة

1435

زهرة التفاسير

أتم ما عهد إليه ، فإذا مات حمل هذه الأمانة من بعده ونقلوها إلى الأخلاف ، ثم أشار سبحانه وتعالى إلى أن النفوس جميعها بيد اللّه ، وأنه سبحانه قد جعل لكل أجل كتابا . وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا والمعنى ما تحقق وما ثبت لنفس أن تموت إلا بإذن اللّه تعالى ، وقد كتب لها كتابا مؤجلا ، ومعنى الإذن هنا يتضمن أن للّه تعالى الإرادة المطلقة في قبض النفوس وإرسالها ، فهي لا تموت إلا بمشيئته ، ولا تحيا إلا بإرادته ، وقد عبر سبحانه وتعالى عن الإرادة بالإذن ، وذلك للإشارة إلى أنه إذا كان القتل في الحروب سببا للموت ، فإنه ما دام لم يجئ الإذن الذي يعلن مشيئة اللّه تعالى وإرادته فإن المقاتلين مهما يكونوا أقوياء لا يمكن أن يصيبوا نفسا لم يشأ اللّه تعالى قتلها ، فهذا النص الكريم يؤكد معنيين : أحدهما : أن الموت بالإرادة الأزلية ، وبالمشيئة الإلهية ، فما لم يأذن فلا موت . والثاني : أن القتال مهما يكن شديدا فلن تموت نفس لم يكتب اللّه تعالى لها الموت ، وهناك إشارات في الآية كثيرة : منها أن الموت لا يحتاج بالنسبة للّه تعالى إلى أسباب ، فليس إلا أن يأذن بقبض الروح فيكون الموت من غير أي مجهود يبذل ، ومنها تحريض المؤمنين على الجهاد ، وتشجيعهم على لقاء الأعداء ، فإن الحذر والحرص على الحياة لا يمنعان ما قدر اللّه تعالى ، فإذا كان قد أذن للنفوس أن تلقى ربها فلا مانع يمنعها ، ولا دافع يدفع عنها أسباب المنايا ، ومنها الإشارة إلى حفظ اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم وقد تربص به الأعداء ، وأحاطوا به من كل جانب ، وصار قريبا من نهزة المختلس ، ولكن اللّه تعالى أحاطه بكلاءته وعنايته ، ومنها بيان أن اللّه سبحانه وتعالى قابض نبيه صلى اللّه عليه وسلم مهما يطل الأمد أو يقصر . وقوله تعالى : كِتاباً مُؤَجَّلًا مفعول مطلق لفعل محذوف معناه : كتب كتابا مؤجلا ، أي له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر ، وهو آت لا محالة . وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وإذا كان الأجل مكتوبا ، فإن ذلك لا يمنع أن العمل مكسوب ، فعلى كلّ أن يعمل ، وكلّ