محمد أبو زهرة
1436
زهرة التفاسير
ميسر لما خلق له ، وكل يكون جزاؤه في الدنيا والآخرة ، فمن يرد ثواب الدنيا أي جزاءها والنتائج المطلوبة فيها ، ويسلك السبيل القاصد الذي يوصل إلى الغاية ، وينته إلى النهاية ، يمكنه اللّه تعالى من الأسباب ، ويسهل له الحصول على النتائج ، ومن كان يريد الآخرة ويقصد وجه اللّه تعالى في كل ما يعمل ، ويقصد إلى الدنيا لا لذاتها ، بل على أنها مزرعة الآخرة ، فإن اللّه تعالى يؤتيه من ثواب الآخرة ما ادخره لعباده المتقين ، وهذا كقوله تعالى : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ . . . ( 152 ) [ آل عمران ] . وكقوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ( 20 ) [ الشورى ] . فالنص الكريم يثبت أن الدنيا لها وسائل ، والنجاح فيها له أسباب توصل إلى النتائج ، والآخرة لها أسباب وذرائع ، وعلى ذلك لا يكون النجاح في شؤون الدنيا دليلا على القرب من اللّه تعالى ، ولا الفشل فيها دليلا على البعد عن اللّه تعالى ، ذلك قول الفجار ، الذين يتخذون من سطوة الكفار مع كفرهم دليلا على أنهم أقرب إلى اللّه من المؤمنين ، ويغفلون عن قول اللّه تعالى : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( 33 ) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ( 34 ) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ( 35 ) [ الزخرف ] . وفي النص الكريم إشارات بينات ، فهو يشير إلى الذين اتبعوا الغنائم وتركوا طاعة الرسول يوم أحد بأنهم أرادوا الدنيا ، ولكن لم يسلكوا مسالكها ، ويشير إلى الذي يقاتلون طلبا للغنائم ، وأنهم لا ينالونها إلا إذا استقاموا على مناهج القتال الصحيحة ، ويشير إلى فضل الذين صبروا ويصبرون في الحرب ، ويطلبون بها وجه اللّه تعالى لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ، ويشير إلى أن القتال يجب أن يقصد به وجه اللّه تعالى ، لعمارة الأرض ومنع الفساد فيها ، ثم يبين سبحانه أن أولئك هم الذين ينالون الثواب ، ولذا قال تعالى :