محمد أبو زهرة

1432

زهرة التفاسير

رسالات ربه ، وأتم بيان دينه ، ولذا وبخ المؤمنين على ما كان منهم يوم أحد إذ ذاع في وسطهم أن محمدا قد قتل ، فقال تعالى : أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ . الفاء هنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أو للإفصاح عن شرط مقدر ، والاستفهام للتوبيخ ، والمعنى : أإذا مات وقد علمتم أن موته حق لا ريب فيه ، أو قتل في الميدان والقتل طريق من طرق الموت ، انقلبتم على أعقابكم ، أي عدتم كفارا بعد أن آمنتم ، وعباد أوثان بعد أن صرتم من أهل التوحيد ، وضلالا بعد أن اهتديتم ، والتعبير عن ذلك بقوله تعالى : انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تصوير سام لمن ضل بعد أن اهتدى ، فهو تصوير لمن يرجع إلى الوراء وبصره إلى الأمام ، وأعقابه هي التي تقوده ، وهو منكس جعل رأسه في أسفل وعقبه في أعلى ، وذلك أقبح منظر يكون للإنسان . ولكن هل وقع ذلك الضلال أو كان ما يدل على احتمال وقوعه . يروى في ذلك أن عبد اللّه بن قمئة الحارثي أقبل يريد قتل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فتصدى له مصعب بن عمير حامل راية المؤمنين فقتله المشرك ، وظن أنه الرسول فأذاع ذلك في المشركين ، وانتقل الخبر إلى بعض المؤمنين ، إذ قد اختلط الحابل بالنابل ، فريعت قلوب بعض المسلمين وولوا مدبرين ، وانطلق المنافقون يقولون : لو كان نبيا ما قتل ، وثبت المؤمنون الصادقون ، وقد مر أنس بن النضر ، ووجد قوما خارت عزائمهم فقال لهم : يا قوم إن كان محمد قتل فإن رب محمد حي لا يموت ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقاتلوا على ما قاتل عليه ، وموتوا على ما مات عليه . . اللهم أعذر إليك مما يقول هؤلاء ، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل . وقد مر بعض المهاجرين بأنصارى يتشحط « 1 » في دمه ، فقال له : أشعرت أن محمدا قد قتل ، فقال : إن كان قد قتل فقد بلغ ، فقاتلوا على دينكم ، ولقد صاح بعض المجاهدين في وسط ذلك البلاء : يا معشر المؤمنين إن كان محمد قد أصيب أفلا تمضون على ما مضى عليه نبيكم حتى تلحقوا به .

--> ( 1 ) أي يتخبط فيه ويضطرب ويتمرغ .