محمد أبو زهرة
1433
زهرة التفاسير
وبهذا يتبين أن المحاربين كانوا فريقين : أحدهما رعب واضطراب ، والثاني ثبت وجاهد ، ولقد ذكر اللّه حال الفريقين ، ومقام كل واحد من الحق ودعوته فقال تعالت كلماته في الفريق الأول : وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً . أي ومن ينقلب على عقبيه بعد وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم فلن يضر دين اللّه تعالى في شئ ، ولأن دين اللّه تعالى بعد أن بلغ النبي رسالة ربه ، وأكمل البيان لهذا الدين ، قد ظهر وصار حقيقة ثابتة في الوجود ، فلا عبرة بمن يخرج ، كما قال تعالى : مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ . . . ( 54 ) [ المائدة ] . وفي هذا تنبيه إلى ثلاثة أمور : أولها : أن من يجاهد عليه أن يجاهد لحقيقة من الحقائق الثابتة الخالدة التي لا تفنى ولا تنته ، ولا يقاتل لأجل الأشخاص الذين ينتهون ويفنون ، فالمعانى خالدة ، والأشخاص ميتون . الثانية : أن من يفسد قلبه فيرتد بعد إيمان ويكفر بعد يقين ، لا يضر دين اللّه بل يضر نفسه ؛ لأن الضال المضل يضر نفسه قبل أن يضر غيره . ثالثها : إخبار اللّه تعالى بأن هذا الدين خالد ثابت باق إلى يوم القيامة ؛ لأنه سبحانه قد قرر أنه لا يضره من يخرج عنه أو يمرق عن أحكامه ، أو يتركها مستهينا ، فإن للإسلام ربا يحميه ، ورجالا صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه . ثم بين سبحانه من بعد ذلك جزاء الصابرين الذين لم يرعبوا ولم يضطربوا ، فقال سبحانه : وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ . أي وسيجزى اللّه سبحانه وتعالى الذين صبروا في هذه الشديدة وشكروا اللّه تعالى في السراء والضراء ، فلم يزعجهم البلاء كما لم تبطرهم النعماء ، فصفة الشكر كصفة الصبر كلتاهما تظهر في السراء والضراء معا ، فالصبر يكون في النعمة بالقيام بحقها ، وفي الكريهة باحتمالها ، من غير تململ وتضجر .